You are currently viewing الحرب… هل تستطيع إيران أن تجعلها “فُرصة”؟

الحرب… هل تستطيع إيران أن تجعلها “فُرصة”؟

في هذا البحر من التفاصيل والتقارير، علينا ألّا ننسى أن الحرب الدائرة الآن، فُرضت على إيران فرضًا ولم تخترْها. فهي تُدافع عن نفسها في وجه أكبر قوتين تجدان في الحرب وسيلة للهيمنة وتكديس الثروات، وكلّ حرب تخوضانها هي منصّة لحرب أخرى قادمة. مُشعلو الحرب في تل أبيب وواشنطن وشركاؤهم في الشرق الأوسط وسواه ـ هكذا أرادوها، وهكذا تخيّلوها في اجتماعاتهم وأحاديثهم وخطاباتهم وإعلامهم. هذه هي العقيدة التي بنوا في إطارها سيناريو هذه الحرب: سيضربون ويُسقطون النظام في إيران، ومن هناك تصير الطريق قصيرة إلى التحكّم بالنفط والغاز وبمضيق هرمز وكل موارد الخليج. ساعتها، هم الذين يحددون أسعار النفط ولمن يذهب ولمن لا يذهب، وأيّ السفن يحقّ لها دخول الخليج وأيها لا. الذاهبون إلى حرب كهذه يفعلون ذلك بناءً على عقيدة وسيناريو. إلّا أن إيران دحضت هذه العقيدة وغيّرت لهم السيناريو، بل قلبته، فهي التي تقرّر مَن الداخل ومَن الخارج عبر مضيق هرمز، على الأقلّ حتى كتابة هذه السطور. فرغم القصف المتواصل للمدن والقدرات الإيرانيّة المدنيّة والعسكريّة، إلّا أن إيران لا تزال تعمّق في كلّ يوم دحضها للعقيدة الحربيّة في واشنطن وتل أبيب، وترسم مسارًا آخر للحرب واتجاهها على نحو يناسب تطلّعاتها.

ما فعلته إيران يأتي من جملة عوامل تتّصل بإيران نفسها، حتّى لا يُقال إنها تستفيد من ضعف الفرضيّات وقصور الاستعدادات وغياب المعلومات الاستخباريّة الوافية لدى المبادرين لهذه الحرب. أوّل هذه العوامل هو العقل الاستراتيجيّ الإيراني، الذي يبدو أنه استعدّ لهذه الحرب تحديدًا. وقد انتقل من احتواء الضربات الأولى إلى الردّ، ومن الردّ الأول إلى سلسلة من الردود التي لا تتوقّف. وهي ردود متنوّعة من حيث طبيعتها ومنظومات السلاح ومواقع الردّ ـ هذا على المستوى الميدانيّ العسكريّ. أمّا التفوّق الاستراتيجي والتكنولوجي لمُشعلي الحرب فقد عادلته إيران بقدراتها الصاروخيّة ومداها وحجمها، وبضربات استباقية، كضرب محطّات الرادار المنتشرة حولها.

أمّا الأهمّ من هذا، في رأينا، فهو العقيدة القتاليّة في إيران، ليس لدى النظام بل لدى شعبه وقوّاته العسكريّة. عقيدة الدفاع عن الوطن والبلاد والكرامة والتاريخ والهويّة يُمكنها هي، أيضًا، أن تعادل استراتيجيًا التفوّق في قوّة النار لدى المعتدين أو الاختراقات التي تحصل هنا أو هناك. يعزّز من صمود إيران الجغرافيا الإيرانية في جانبيها: إشرافها على الخليج كممرّ وحيّز وموارد، وسعة هذه الجغرافيا لجهة استحالة تغطيتها استخباريًا وقصفًا واجتياحًا.

وأهمّ من هذا الأهمّ هو المبادرة الإيرانية إلى تحويل هذه الحرب التي فُرضت عليها وعلى المنطقة إلى فُرصة أمامها لكسر الحصار المفروض عليها منذ عقود. فالعقوبات والحصار بقيادة أميركية كانا حتى الآن عائقًا أمام تحوّلها إلى اقتصاد جبّار على كلّ المستويات ومضاعفة عائداتها من النفط ومشتقّاته. حتى الآن، تُرك الأمر لدول الخليج العربيّة كي تفعل ذلك ارتباطًا بالدولار وباستثمارات هائلة في الاقتصاد الأميركي. ترى إيران أن الوقت قد حان للخروج من “عُزلتها” المحدودة، ومن دخول سوق النفط بقوّة بدون قيود من حيث كمّيّة الإنتاج وتحديد السعر، وليس بالدولار حصرًا. وهو ما بدأت بالتأشير إليه مع إمساكها ببوابة مضيق هرمز وتحديد حركة الملاحة عبره، واشتراطها أن السفينة المارة لا تتبع للأعداء ولا يستفيدون منها، وأن يكون دفع عمولة المرور باليوان الصينيّ وليس بالدولار. إلى هناك تريد إيران أن تذهب في ظلّ هذه الحرب إذا استطاعت. أمّا مبادرتها إلى التحرّك بهذا الاتّجاه، فهو يعكس ثقتها بنفسها رغم خسائرها ـ وهي كبيرة وفق كلّ المعايير.

لقد بدأت أميركا وإسرائيل الحرب بدون غطاء سياسي أو عمق استراتيجي أو خطّة خروج من الحرب. لننتبه إلى أن لا حلف الناتو ولا الدول العربيّة (عدا حاكم الإمارات العربيّة المتّحدة) انضمّت إلى هذه الحرب. وعليه، فقد ظهرت كحرب إسرائيليّة – أميركية لأهداف إسرائيليّة أميركية، أو أنها حرب أضيق بكثير، فهي حرب المتحلّقين حول ترامب ونتنياهو. لقد بات واضحًا من مواقف بعض الدول الغربيّة الوازنة أنها غير معنية بهذه الحرب: فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. بالمقابل، ظهرت في محيط إيران اصطفافات وتحرّكات تُريد وضع فصل الخاتمة لهذه الحرب: مصر وتركيا وباكستان والمملكة العربيّة السعودية. يُضاف إليها مواقف قطر وعُمان المُعلنة. من هنا، فإن صورة هذه الحرب كحرب غير مبرّرة ولا تستند إلّا إلى وهم القوة وقدر التكنولوجيا، يلعب في صالح إيران، التي مهما قيل عن قصفها للقواعد العسكريّة الأميركية في الجوار العربيّ، إلّا أن هناك تساهلًا كبيرًا مع هذه الهجمات في العواصم العربيّة. صحيح أن هناك مَن حاول ويُحاول تثميرها ضد إيران، إلّا أنها لم تنجح سوى عند الذباب الإلكتروني الذي تطيّره تل أبيب وأبو ظبي. من هنا أيضًا بدأت تخرج أصوات عربيّة في الخليج رافضة للحرب وتبريراتها وخطابها، وداعية إلى علاقات تكامل وحسن جوار مع إيران، ومثلها أصوات تدلّل على غياب أي ثقة بأميركا وسياساتها في الخليج بعد اتّضاح انحيازها بالكامل إلى جانب إسرائيل التي لا تُخفي مطامعها في الجغرافيا العربيّة وصولًا إلى الخليج وثرواته وممرّاته.

عرب48

https://www.arab48.com/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/2026/04/03/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%B7%D9%8A%D8%B9-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%B9%D9%84%D9%87%D8%A7-%D9%81%D8%B1%D8%B5%D8%A9-

شارك المقالة