يُعتبر البروفيسور الأمريكيّ-اليهوديّ، نورمان فينكيلشتاين، من أكثر المؤثرين المُناصرين للقضية الفلسطينيّة في الغرب، وكرس حسابه على منصة (إكس)، الذي يتابعه قرابة نصف مليون متابع، ويتفاعل مع منشوراته ملايين غيرهم، للدفاع عن حماس والسخرية من إسرائيل وانتقادها، واصفًا دولة الاحتلال بأنّها دولة شيطانيّة، بالإضافة إلى تصريحاته بالإعلام وعلى وسائط التواصل الاجتماعيّ، والتي تُثير الإسرائيليين وتقُضّ مضاجعهم.
وفي هذه الأيّام الذي يستعِّر فيها العدوان الأمريكيّ-الإسرائيليّ ضدّ إيران، يُكثِر البروفيسور الأمريكيّ اليهوديّ من تصريحاته حول الحرب، علمًا أنّ وسائل الإعلام الأمريكيّة المركزيّة تتجاهله عن سبق الإصرار والترصّد لأنّه يُغرِّد خارج السرب، أيْ سرب الإجماع الأمريكيّ، لذا يلجأ إلى وسائط التواصل الاجتماعيّ لنشر آرائه، كما أنّ يُستضاف في العديد من (البودكاستات) الخصوصيّة في الولايات المُتحدّة الأمريكيّة.
وفي هذه العُجالة أدلى في الأيّام الأخيرة بتصريحاتٍ عن العدوان على إيران، منها على سبيل الذكر لا الحصر، أنّ “الحديث عن تهديدٍ إيرانيٍّ وشيكٍ ليس أكثر من ذريعةٍ سياسيّةٍ لتبرير العدوان”، و”إذا كان هناك خطرٌ نوويٌّ في الشرق الأوسط، فالمشكلة ليست إيران وحدها، بل النفاق الدوليّ الذي يختار من يُحاسَب ومن يُحصَّن”، وشدّدّ البروفيسور الأمريكيّ على أنّ “الحرب على إيران لن تكون نزهةً عسكريّةً كما يتوهّم البعض، إنّها مقامرة قد تُشعل المنطقة بأكملها.”.
ولفت أيضًا إلى أنّ “الولايات المتحدة لا تدير سياسة احتواءٍ، بل سياسة هيمنة، وإيران ليست سوى الهدف التالي في هذه الاستراتيجية”، ورأى أنّ “الحديث عن (الدفاع) في هذه الحرب مضلل، ما يجري هو محاولة لفرض ميزان قوّةٍ بالقوة، لا لحماية أحدٍ”. كما أكّد أنّ “مَنْ يريد الأمن الحقيقيّ في الشرق الأوسط، عليه أنْ يبدأ بنزع السلاح النوويّ من الجميع، لا استخدامه كأداة ابتزازٍ سياسيٍّ”.
علاوة على ما ذُكِر أعلاه، قال البروفيسور اليهوديّ إنّ “الحرب على إيران ليست دفاعًا عن الأمن، بل اختبار جديد لهيمنةٍ تُبرَّر بالخوف”، مُضيفًا في الوقت عينه أنّ “الخطر الحقيقيّ ليس في طهران وحدها، بل في نظامٍ دوليٍّ يُطبّق القوانين انتقائيًا، ويغضّ الطرف حين يشاء”، كما أوضح أنّ “أيّ مواجهةٍ عسكريّةٍ لن تكون محدودة، بل شرارة قد تحرق المنطقة بأكملها”. واختصر المشهد برمته قائلاً إنّ “الحرب على إيران ليست ضرورة، بل ذريعة، وما يُقدَّم كدفاعٍ هو في الحقيقة إعادة رسمٍ للقوة بالنار”، على حدّ تعبيره.
ويمكن تلخيص موقفه بعدّة نقاطٍ هامّةٍ وهي:
أولاً، اعتبر فينكلشتاين أنّ الحرب أو التهديد بالحرب ضد إيران غير مبرَّر، مؤكدًا أنّه: “لا يوجد دليل موثوق على أنّ إيران تمثل تهديدًا عسكريًا فعليًا”، ورأى أنّ “الخطاب الغربيّ حول (الخطر الإيرانيّ) هو جزء من الدعاية السياسيّة في السياسة الخارجيّة الغربيّة”. بكلماتٍ أخرى، يمكن القول الفصل إنّ البروفيسور اليهوديّ-الأمريكيّ يُشكّك بمعنى أنّه يشكك في السرديّة التي تُستخدم لتبرير العدوان الأمريكيّ-الإسرائيليّ المشترك ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.
ثانيًا، انتقاد ازدواجية المعايير بشأن النوويّ، إذْ أنّ فينكلشتاين يُهاجِم ما يعتبره نفاقًا دوليًا في التعامل مع الملف النوويّ: التركيز على برنامج إيران، مقابل تجاهل ترسانات دول أخرى (خصوصًا إسرائيل)، معتبرًا في الوقت عينه أنّ استهداف إيران يتم بينما يتم تجاهل أنشطة نووية لدولٍ أخرى”، طبقًا لأقواله.
ثالثًا، في تحليله الإستراتيجيّ يؤكِّد الأستاذ فينكيليشتاين أنّ الحرب على إيران لن تكون مثل العراق، إذْ أنّه عاد وكرر في أحاديثه الأخيرة عن العدوان أنّ أيّ حربٍ على إيران ليست تكرارًا لحرب العراق 2003، لكنها أيضًا معقّدة وخطيرة جدًا إقليميًا، أيْ أنّه لا يراها (حربًا سهلة) أوْ سريعةً، بل مواجهة قد تتوسع”.
رابعًا، الدعوة إلى حلٍّ إقليميٍّ شاملٍ، يشمل نزع السلاح النوويّ، وفي هذا السياق طرح فكرة تحويل الشرق الأوسط إلى منطقةٍ خاليةٍ من السلاح النوويّ، وهذا يشمل: إسرائيل، إيران، وبقية دول المنطقة، وهو طرحٌ يربط الأمن الجماعيّ بدل الاستهداف الأحاديّ.
خامسًا، ربط الحرب على إيران بالدور الأمريكيّ، إذْ يكرر فينكلشتاين في أكثر من سياقٍ أنّ: السياسات الإسرائيلية لا تنفصل عن الدعم الأمريكيّ، وأنّ أيّ حربٍ واسعةٍ مرتبطة بالاستراتيجيّة الأمريكيّة في المنطقة.
وفي الختام يمكن تلخيص موقف البروفيسور الأمريكيّ للحرب ضدّ إيران في ثلاث نقاطٍ أساسيّةٍ: يرفض الحرب ويعتبرها غير مبرَّرة، ينتقد المعايير المزدوجة في التعامل مع إيران، ويدعو لحلٍّ شاملٍ يشمل نزع السلاح النوويّ في منطقة الشرق الأوسط، بما يشمل إسرائيل، على حدّ تعبيره.
جديرٌ بالذكر أنّه في السياق الإيرانيّ كان فينكيلشتاين قد قال في أوائل شهر شباط (فبراير) الفائت، إنّ “أيّ هجومٍ أمريكيٍّ ضدّ إيران سيجلب ضررًا بالغًا للولايات المتحدّة، وأنّه لن يعود عليها بالنفع ولن يُحقق مصالحها وسيكلّف واشنطن كثيرًا”، معتبرًا خطاب التحذير الأمريكيّ تجاه إيران جزءًا من دعاية السياسة الخارجيّة الغربيّة، دون أنْ يقدم، أيْ الغرب، دليلاً بأنّ إيران تشكل تهديدًا حقيقيًا يستدعي حربًا، وانتقد أيضًا المعايير المزدوجة في تعامل واشنطن وحلفائها، مثل إسرائيل، مع قضايا السلاح النوويّ، إذ رأى أنّ الغرب يهاجم إيران بينما يتغاضى عن برامج نوويّةٍ لدى دولٍ أخرى.
المصدر: رأي اليوم