لطالما عُرفت منشآت النفط في دول الخليج بأنها العصب الحيوي للاقتصاد العالمي، لكن خلف هذه الأرقام التجارية تتوارى علاقة استراتيجية عميقة تربط تدفقات “الذهب الأسود” بالمجهود العسكري الأميركي في المنطقة وخارجها. وتجاوزت هذه العلاقة، مفهوم التجارة لتصل إلى التمويل الهيكلي للترسانة الدفاعية والهجومية الأميركية، وتوفير الملاذات اللوجستية المتطورة للقوات المنتشرة حول العالم.
من الناحية الميدانية، تمثل المصافي الخليجية ومرافق تزويد الوقود الركيزة الأساسية لاستمرارية العمليات العسكرية الأميركية، فهي التي تضخ وقود الطائرات والديزل البحري للسفن والقواعد المنتشرة في المنطقة. هذا القرب من المنبع يمنح البنتاغون ميزة “الإمداد في مسرح العمليات”، ما يوفر كلفة نقل هائلة ويسمح بإدارة حروب طويلة الأمد. ومن دون هذه المنشآت، تصبح الأساطيل الأميركية مجرد “حديد بارد” يعتمد على خطوط إمداد عابرة للمحيطات، بطيئة ومكلفة.
مالياً، يبرز نظام “البترودولار” كأقوى سلاح غير مرئي في يد واشنطن، إذ إنّ تسعير النفط بالدولار يُجبر العالم على حيازة العملة الأميركية، ما يتيح للولايات المتحدة تمويل ميزانيتها الدفاعية الضخمة (التي تتجاوز 800 مليار دولار) عبر إصدار ديون وسندات خزانة تشتريها الدول المصدّرة للنفط بفوائضها. وهذا التدوير المالي يعني ببساطة أن نفط المنطقة هو الذي يحمي قيمة الدولار، وهو الذي يموّل بشكل غير مباشر كلفة الصواريخ والطائرات التي تحاصر المنطقة وتعتدي على سيادتها.
وتوفر المنشآت النفطية أيضاً غطاءً لشبكة القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، والتي تعمل كنقاط انطلاق للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إضافة إلى دورها في حماية الممرات البحرية الدولية مثل مضيق هرمز. وأشارت تقديرات مراكز بحثية مثل “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS) إلى أن هذا التموضع الجغرافي يساهم في خفض كلفة الانتشار العسكري وتحسين كفاءة التزود بالوقود داخل مسرح العمليات، ما يطيل أمد العمليات ويقلل الاعتماد على سلاسل الإمداد العابرة للمحيطات.
كما أن الحاجة إلى حماية البنية التحتية للطاقة، مثل الحقول والمنصات وموانئ التصدير، وفّرت لواشنطن إطاراً استراتيجياً لتعزيز حضورها العسكري، بما في ذلك نشر أنظمة إنذار مبكر ومنظومات دفاع جوي، بالإضافة إلى الاستفادة من الموانئ ذات الأعماق الكبيرة التي تتيح للأسطول الأميركي إجراء عمليات صيانة وتزويد داخل منطقة العمليات، ما يعزز جاهزيته القتالية بشكل مستمر.
حرب الخليج كمثال
تُعد حرب الخليج عام 1991 أحد أبرز الأمثلة على هذا الترابط بين الطاقة والتمويل والقوة العسكرية. خلال عمليتي “درع الصحراء” و”عاصفة الصحراء”، لم تتحمل الولايات المتحدة العبء المالي منفردة، بل شاركت دول الخليج بشكل واسع في التمويل والدعم اللوجستي.
وقدّمت دول مثل السعودية والكويت والإمارات مساهمات مالية مباشرة، إلى جانب توفير الوقود واستخدام الموانئ والمطارات وتسهيل البنية التحتية اللازمة للعمليات العسكرية. ووفق تقارير صادرة عن “مكتب المحاسبة الحكومي”، بلغت هذه المساهمات عشرات المليارات من الدولارات، ما غطّى جزءاً كبيراً من تكلفة العمليات.
كما استفادت القوات الأميركية من شبكة القواعد المنتشرة في المنطقة كنقاط انطلاق للعمليات الجوية والبرية، واستمر هذا النموذج في العمليات اللاحقة في العراق، حيث لعبت البنية اللوجستية نفسها دوراً محورياً في دعم الانتشار العسكري. إضافة إلى ذلك، وفّرت الموانئ الخليجية قدرات عالية للأسطول الأميركي مكّنته من تنفيذ عمليات صيانة وتزويد داخل المنطقة، ما عزز الجاهزية القتالية وقلل الحاجة إلى العودة إلى قواعد بعيدة.
الإطار العام للعلاقة
يشير مفهوم “The Military-Petrodollar Complex” إلى العلاقة المترابطة بين نظام الدولار النفطي والقوة العسكرية الأميركية، حيث تُسعّر تجارة النفط بالدولار، ما يدفع الدول المنتجة إلى إعادة استثمار عائداتها في الأصول الأميركية، وهو ما يعزز مكانة الدولار ويدعم السيولة في الاقتصاد الأميركي. في المقابل، تساهم القوة العسكرية في توفير البيئة الأمنية التي تضمن استمرار تدفق النفط واستقرار الأسواق العالمية.
بالتالي، يتشكل نظام متكامل يجمع بين الطاقة والتمويل والأمن، حيث تدعم كل حلقة الأخرى، وتنعكس هذه الديناميكية في استمرار النفوذ الأميركي وقدرته على الحفاظ على استقرار النظام الدولي.
النفط: الوقود المحرّك للعدوان والهدف المشروع للردع
لا يرتكز المجهود العسكري الأميركي فقط على البوارج والطائرات، هو أيضاً، منظومة اقتصادية متكاملة تعتمد كلياً على استقرار وبقاء المنشآت النفطية في دول الخليج.
وفي هذا الإطار، تُعد منشآت النفط في الخليج، من مصافٍ وموانئ تصدير، بمنزلة رئة تنفس للاقتصاد الأميركي. فالاستمرارية العسكرية لواشنطن مرتبطة عضوياً باستقرار سعر “الغالون” في الداخل الأميركي. أي اهتزاز في هذه المنشآت يعني انهياراً في أسواق المال العالمية، ما يشكل ضغطاً داخلياً لا تستطيع الإدارة الأميركية تحمله أثناء خوض مواجهة عسكرية. من هنا، تصبح وظيفة الـ “باتريوت” و”ثاد” في هذه المنشآت، تأمين خطوط الإمداد التي تسمح للولايات المتحدة بمواصلة حصارها وعدوانها على إيران من دون دفع الثمن الاقتصادي.
يُشار إلى أنّ “الاستقرار النقدي” بأسعار النفط التي تُدفع بالدولار، هو ما يمنح “البنتاغون” ميزانيات مفتوحة (تتجاوز 800 مليار دولار سنوياً) لتمويل القواعد المحيطة بإيران. بالتالي، فإن كل برميل نفط يخرج من هذه المنشآت يسهم، بشكل غير مباشر، في شراء الصواريخ التي تستهدف استقرار المنطقة.
وعندما تستهدف إيران أو حلفاؤها هذه المنشآت، فإنّ ذلك يثبت أن “المظلة الأمنية الأميركية” عاجزة عن حماية مصدر من مصادر تمويلها. وهنا تصبح الرسالة الإيرانية واضحة: “إذا حُرِمت إيران من تصدير نفطها ومن استقرارها، فإن المنشآت التي تموّل المجهود العسكري ضدها لن تكون في مأمن”، أيضاً.
وبالتالي، يصبح ضرب المنشأة في الخليج، ضربة مباشرة لـ “وول ستريت” وللقدرة الأميركية على إطالة الحرب، ما يجبر واشنطن على التراجع أو خفض ضغوطها خوفاً من الانتحار الاقتصادي.
من “حرائق الخليج” إلى “أرصفة واشنطن”
تتمحور العقيدة العسكرية الأميركية حول قدرتها على شن الحروب “بعيداً عن حدودها”، لكن المواجهة مع إيران كشفت عن ثغرة قاتلة: الارتباط العضوي بين فوهة المدفع في هرمز وسعر غالون الوقود في كاليفورنيا. إن أي استقرار عسكري تدّعيه الولايات المتحدة يظل وهماً ما لم يترجم إلى استقرار في الشارع الأميركي، وهو ما تضربه استراتيجية الردع الإيرانية في مقتل.
واليوم، يعيش الاقتصاد الأميركي حالة من الغليان، فالتضخم الذي يضرب مفاصل حياة الأميركيين هو نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار الطاقة. وعندما تنجح الضربات الإيرانية في تعطيل المنشآت النفطية الخليجية أو إغلاق مضيق هرمز، فإنها لا تضرب “خزانات وقود” فحسب، بل تضخ التضخم في الشرايين الأميركية. فارتفاع برميل النفط يؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف النقل، الإنتاج، والخدمات، ما يضع المواطن الأميركي أمام واقع معيشي لا يطاق.
وهنا، تتحول المنشآت النفطية الخليجية من “داعم لوجستي” للجيش الأميركي إلى “عبء استراتيجي”، إذ يضطر البنتاغون لاستنزاف موارده لحماية منشآت ثابتة وعاجزة، بينما تواصل إيران استهداف “عصب الحياة” الذي يمول تلك الحرب.
هل انقلب السحر على الساحر؟
كثيراً ما استخدمت الولايات المتحدة النفط وسيلة لإخضاع الدول، لكنها اليوم تجد نفسها رهينة لهذا النفط. وديمومة العدوان على إيران تتطلب اقتصاداً مستقراً، والاقتصاد لن يستقر والمنشآت النفطية الخليجية تحت رحمة الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
لقد تحولت هذه المنشآت من “أصول” تدعم المجهود الحربي الأميركي إلى “أهداف” تسرّع من وتيرة التضخم الداخلي، ما يجعل الحرب على إيران “مقامرة انتحارية” تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.
في المحصّلة، المنشآت النفطية الخليجية، هي “البطارية” التي تشحن الآلة العسكرية الأميركية. وبناءً عليه، فإن أي استراتيجية ردع إيرانية تعدّ هذه المنشآت أهدافاً مشروعة، لأن تعطيلها يعني حرفياً إطفاء المحركات الأميركية وإجبار المعتدي على الانكفاء إلى الداخل لمعالجة أزماته.
وفي أشد لحظات الحرب حساسية، أثبت ترامب في تصريحاته بشأن استهداف حقل “بارس” الإيراني والرد الإيراني على ذلك، بأهمية منشآت الطاقة في الخليج، أميركياً. فنفي ترامب المزعوم عن علمه بضربة “بارس”، هدفه حماية المصالح الأميركية في تلك المنشآت، وليس حمايتها من أجل أنّها “خليجية”، لأنّه تطال 3 مستويات: المستوى الاستراتيجي لما تمثّله من عمق، مستوى تمويل الجهد العسكري، بالإضافة إلى عدم القدرة على التكيّف مع هذا النوع من الحروب في المنطقة. وهذه المستويات، جميعها، تضرّ بالمجهود العسكري الأميركي.
الميادين
كيف تساهم منشآت النفط في الخليج في تمويل المجهود العسكري الأميركي؟ | الميادين