كشف الإعلاميّ والمؤثِّر الأمريكيّ المشهور، تاكر كارلسون في مقطع فيديو نشره مساء أمس النقاب عن أنّ وزارة العدل الأمريكية تُعدّ لتوجيه تهمة إليه بأنّه عميلٌ أجنبيٌّ غير مسجل، بناءً على توصيةٍ مزعومةٍ من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بعد قراءة محادثاته التي سبقت الحرب الإيرانية. وقال إنّ بعض موظفي وكالة الاستخبارات المركزية قد يوجهون إليه التهمة بسبب آرائه حول إسرائيل، وتابع: “تُعدّ وكالة الاستخبارات المركزية توصيةً جنائيةً ضدّي، تقريرًا جنائيًا لوزارة العدل، استنادًا إلى جريمةٍ مزعومةٍ ارتكبتها. ما هي هذه الجريمة؟ حسنًا، التحدث إلى أشخاص في إيران قبل الحرب. لقد قرأوا رسائلي”.
وأضاف كارلسون أنّه “من المحتمل” أن يُتهم بموجب “قانون العملاء الأجانب”، وهو قانون صدر عام 1938 يُلزم الأشخاص الذين يتلقون أموالًا من حكوماتٍ أجنبيّةٍ مقابل ممارسة الضغط أو الدعوة السياسيّة بالتسجيل لدى وزارة العدل.
وكان كارلسون قد صرّح في أوّل ظهورٍ له أمام الكاميرا بعد اندلاع العدوان ضدّ إيرا، إنّ “هذه حرب إسرائيل، وليست حرب الولايات المتحدة”، وسرعان ما اتضح أنّ الشخصية الإعلاميّة الأكثر نفوذاً في اليمين الأمريكيّ لم تكتفِ بالخطابات الإعلاميّة، بل زارت البيت الأبيض ثلاث مرات في الشهر الذي سبق الحرب، في محاولةٍ لإقناع الرئيس ترامب بسحب دعمه لها. ولما فشلت هذه المحاولة، وجّه انتقادات لاذعة للحرب، واصفاً إياها بـ “الشريرة”، ومؤكدًا أنها تتعارض مع مبادئ حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا، وردّ ترامب على ذلك بسلسلةٍ من المقابلات لتذكير كارلسون، الذي يُشاع أنه قد يترشح للرئاسة عام 2028، بأنّه على رأس هذه الحركة.
مع ذلك، فإن المواجهة بين ترامب وكارلسون تتجاوز مجرد تبادل اتهامات بين سياسيٍّ ومعلقٍ، بحسب صحيفة (نيويورك تايمز). تراهن إدارة ترامب، التي تواجه الآن أكبر اختبارٍ لها منذ عقد، على أنّ قاعدتها الشعبية ستدعمه في السراء والضراء. لكن كارلسون، وكثيرون غيره من النخبة المحافظة، يتذكرون جيدًا أنّ حربًا في الشرق الأوسط قد أطاحت بالفعل بإدارة جمهورية؛ اسألوا الرئيس جورج دبليو بوش.
وكارلسون قال أيضًا إنّ “إسرائيل من أبشع دول العالم”، وهو ليس الوحيد. اليمينية البارزة ميغان كيلي قالت في برنامجها الصوتيّ: “لا ينبغي لأحد أنْ يموت من أجل دولةٍ أجنبيّةٍ”.
وحثّ مات والش، من موقع “ذا ديلي واير” اليمينيّ الشهير، متابعيه وزملاءه الناشطين على إيصال رسالةٍ إلى الرئيس مفادها أنّ الحرب غير شعبية، قائلاً: “لم أعد أطيق التضليل الإعلاميّ”.
وبحسب الصحيفة فإنّ كارلسون، كيلي، ووالش ليسوا شخصيات هامشية، إذ يمتلكون مجتمعين أكثر من 13 مليون مشترك على يوتيوب، وعشرات الملايين من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي. وبينما يستمتع ترامب بوضعه الجديد كرئيسٍ في زمن الحرب، تنخرط النخبة اليمينيّة الأمريكيّة في نقاشٍ حادٍّ حول صورة شعار (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا) في اليوم التالي لترامب.
وأشارت الصحيفة إلى أنّه في نوفمبر، ستُجرى انتخابات التجديد النصفيّ للرئاسة، والتي من المتوقع أنْ يتلقى فيها الجمهوريون، وفقًا لاستطلاعات الرأي، ضربةً قويّةً. وبعد ذلك، وكما هو معتاد في السياسة الأمريكيّة، سيصبح الرئيس إلى حدٍّ كبيرٍ “رئيسًا في فترةٍ انتقاليّةٍ” بينما يبدأ الحزب في الاستعداد للانتخابات الرئاسية عام 2028.
ولم تختفِ الخلافات بين مختلف التيارات، لكن فيما يتعلق بنفوذ إسرائيل على السياسة الأمريكية، بدأت تتبلور استنتاجات أولية، ويُعدّ روس دوثات، كاتب عمود في صحيفة (نيويورك تايمز)، أحد الأصوات المعتدلة في اليمين الأمريكي، يقول: “في الماضي، كان يُوصم مَنْ ينتقد إسرائيل بمعاداة السامية”. أما اليوم، فيقول: “أصبح من الصعب ادّعاء ذلك، فقد كُسرت المحظورات”.
وكان بودكاست الصحفي المحافظ روس دوثات في صحيفة (نيويورك تايمز) من أبرز المنصات التي تبلورت فيها هذه الاستنتاجات. واستضاف كورث ميلس، حيثُ اتفقا على أنّ الإجماع القديم في اليمين الأمريكيّ، الذي كان يدعم تلقائيًا تقريبًا (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط)، أيْ إسرائيل، قد انهار. ومعه، انهار أيضًا المحظور الذي كان يمنع اليمين من انتقاد إسرائيل. انتقل الاثنان من هذا التحليل إلى المسألة الأكثر حساسية: إسرائيل، التي ينظر إليها الكثيرون في الولايات المتحدة على أنّها جرّت واشنطن إلى الحرب. علّق دوثات قائلًا: “إنّ الشرير الرئيسيّ في كارلسون هو إسرائيل”، فقاطعه ميلز على الفور قائلًا: “لأنّ هذا صحيح. تأسست إسرائيل بفضل الولايات المتحدة، بفضل ترومان عام 1948، ولكن منذ اغتيال رابين، اتخذت السياسة الإسرائيليّة منحىً مختلفًا، وهو الاعتقاد بأنّ إسرائيل لن تكون آمنة إلّا إذا حاربت جيرانها حتى يضعفوا. هذه هي عقلية دولة محاصرة”.
وانتقاد إسرائيل ليس جديدًا، فقد دعا بيوكانان، في مقال له في مجلة (أمريكان كونسيرفاتيف)، إلى الحدّ من المساعدات لإسرائيل قبل عقدين من الزمن، واتخذ تاكر كارلسون منذ ذلك الحين موقفًا أكثر تطرفًا، داعيًا إلى مقاطعة إسرائيل بشكلٍ كاملٍ. مع ذلك، يرى ميلز أنّ الحرب في إيران قد كسرت أخيرًا المحظورات المتبقية المحيطة بمناقشة نفوذ إسرائيل على السياسة الأمريكيّة.
وخلُصت الصحيفة إلى القول: “لكن عام 2028 يبدو مستقبلاً بعيدًا، خاصّةً مع انخراط واشنطن بحرب ذات هدفٍ غامضٍ، وقد بدأت بالفعل بذور السياسة اليمينيّة الجديدة تُزرع، فبعد أنْ اتضح مقتل ستة جنود أمريكيين في الحرب، انتشرت صورتان مُدمجتان على نطاقٍ واسعٍ في مختلف مجموعات مؤيدي ترامب. الأولى هي الصورة الشهيرة ليائير نتنياهو، نجل رئيس وزراء الاحتلال، وهو يرتدي ملابس داخلية ويحتسي الشاي على شرفةٍ في ميامي. أمّا الثانية فتُظهر نعوشًا ملفوفة بالأعلام الأمريكيّة، وجنودًا يؤدون التحية العسكرية بجانبها. ويُظهر التعليق الفرق بين الصورتين: (هذا ابن نتنياهو)، و(هذا ابنك)”.
رأي اليوم