لا يحتاج المستضعفون – وفي هذه الحرب – الإيرانيون، إلى الوقوف في وجه المستكبرين إلا لحظات صمود. ويبدو أن إيران تجيد ذلك حتى الآن، فيما لا يزال ترامب متعجبًا من سبب عدم استسلامها…
يُعرف بنيامين نتنياهو بأنه كاذب محترف. الكذب هي ملكته. يكذب مثلما يتنفس، كما يُقال، أو يكذب دون أن يرجف له جفن. وفي السياسة الإسرائيلية، الكذب ليس أمرًا نادرًا. فالدولة أساسًا تعيش على الكذب، الكذب على الذات، بأنها تجسيد لمقولة “شعب بلا أرض، وأرض بلا شعب”.
لكن مشكلة الكذب عند نتنياهو أنه يصدق أكاذيبه ويتحمس لها، ويطير إلى واشنطن لإقناع “البرتقالي” بهذه الأكاذيب، مثل أن إيران تريد استخدام النووي لتدمير إسرائيل، وأن صواريخها الباليستية هي خطر وجودي على الدولة اليهودية، بل إنها تهديد لـ”العالم الحر”… وهلم جرًا.
ولا ندري من يستخدم الآخر أداة لمصلحته؛ هل يستخدم نتنياهو ترامب أداةً لتحقيق جموحاته الإقليمية (وعلى الطريق أن يحظى بعفو من محاكمته) أم أن ترامب يستخدم نتنياهو وإسرائيل نبّوتًا في المنطقة. ربما استخدام متبادل، أو هذا هو الأرجح.
هذا الاستخدام المصلحي زجّ المنطقة في دوامة حرب لن تنتهي مع توقف إطلاق النيران، بل ستتواصل تبعاتها لسنوات، أو ربما لعقود. واللافت اليوم أن الحديث الإسرائيلي العالي عن إسقاط النظام الإيراني تراجع بشكل واضح، وصار نتنياهو يتحدث عن “زعزعة النظام لإتاحة التغيير”، ولا أقل من “تحرير إيران” بحسبه.
بعد أقل من أسبوعين، استنتج قادة إسرائيل وإعلامها أن إسقاط النظام الإيراني بحرب جوية أمر غير وارد. فرغم كل الدمار الذي زرعته إسرائيل في إيران، بما في ذلك استهداف خزانات الوقود، لم يتحرك الشارع الإيراني، ولم تضعف قدرات النظام على الاستمرار في الحرب، وحتى تحويلها إلى حرب استنزاف إقليمية.
استنجد نتنياهو أمس، في كلمة له، بالشعب الإيراني، بأن أيامًا قليلة وستنجز إسرائيل مهمتها، وعلى الشعب إتمامها. هذا الاستنجاد يعكس ورطة نتنياهو، فقد نجح في توريط ترامب والولايات المتحدة بالحرب، واستخدم كل ما في جعبة الجيش الإسرائيلي من وسائل قتل ودمار، لكن النظام الإيراني يصمد، بل ويختار مرشدًا أعلى – ولو جريحًا – خلال أيام.
بعد حرب حزيران/يونيو السابقة على إيران، أعلن ترامب تدمير المشروع النووي الإيراني، فيما أعلن نتنياهو أنه “أزال خطرًا داهمًا على إسرائيل”، وتدمير قدرات إيران الصاروخية، ليتبين أن إيران ما زالت قادرة على الإيذاء والقصف الباليستي على إسرائيل طيلة ساعات اليوم، ولو برشقات صاروخية أصغر.
وهذه المرة، يتباهى ترامب بأنه دمّر نحو 90 في المئة من قدرات إيران على إطلاق الصواريخ، وأنه دمّر الأسطول البحري، لكنه تراجع عن وعده للشعب الإيراني بأن “المساعدة في الطريق”. ففي مؤتمر صحافي قبل يومين، ردًا على سؤال إن كان وقف الحرب يعني خيانة الشعب الإيراني بعدما وعد بمساعدتهم، قال إنه كان يرغب بمساعدتهم لو أحسنوا التصرف، ولو كانوا في نظام يسمح لهم بتلقي المساعدة!
تمامًا مثلما صرّح في بدايات الحرب بأن القيادات الإيرانية البديلة، التي كان مستعدًا للتعامل معها، قُتلت بالغارات الأميركية – الإسرائيلية.
أما نتنياهو، فصارت تبدو عليه علامات القلق من التورط في حرب في منطقة أكبر منه ومن دولته، رغم كل ما تعرض له النظام الإيراني، فصار يستنجد بالشعب الإيراني لتخليصه. تغيرت نبرته الواثقة والعنجهية، كما ظهرت في الأيام الأولى.
لا يحتاج المستضعفون – وفي هذه الحرب – الإيرانيون، إلى الوقوف في وجه المستكبرين إلا لحظات صمود. ويبدو أن إيران تجيد ذلك حتى الآن، فيما لا يزال ترامب متعجبًا من سبب عدم استسلامها.
يصف باحث إيراني – ليس من أنصار النظام – المعارضة الخارجية في الولايات المتحدة، من صنف رضا بهلوي، على أنها معارضة “نوادٍ ليلية” – وقد عُرف عن نجل الشاه أنه قمارجي مخضرم – فهل على هؤلاء يعوّل ترامب ويستنجد نتنياهو لإسقاط نظام عقائدي يحكم البلاد منذ نحو خمسة عقود؟
التحريض على إيران مشروع نتنياهو “التاريخي”، منذ الثمانينيات، وقبل أن يفكر النظام بالنووي وتخصيب اليورانيوم. مشروع عمره بات اليوم في رحمة الشعب الإيراني. يستنجده مثل استجداء القذافي الشهير “زنقة زنقة – دار دار”.
يستنجد نتنياهو بالإيرانيين ويعاقبهم في الوقت نفسه. يقصف مخازن الوقود ليعاني الشعب من هذا النقص وينتفض ضد النظام. يعذبهم لينتفضوا. هل سيقصف مجالات حيوية مثل الكهرباء والمياه لينتفضوا؟ وارد جدًّا.
ستنتهي الحرب عاجلًا أم آجلًا، لكن الدمار الذي خلفه ترامب ونتنياهو في المنطقة لن يزول قريبًا.
المصدر: عرب48