You are currently viewing “زلزال 82” الردع الذي أربك الاحتلال: أسرار عملية “خيبر” في وثائقي الميادين

“زلزال 82” الردع الذي أربك الاحتلال: أسرار عملية “خيبر” في وثائقي الميادين

لطالما كان فهم “رأس” المقاومة، طريقة عملها، كيف تفكّر وترسم استراتجيتها، نقطة ضعف لدى الاحتلال الإسرائيلي، أو لنقل نقطة بحث وجدال، منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا، ومستقبلاً من دون شكّ.

لا يستطيع الإسرائيلي أن يفهم كيف يشتعل الفعل المقاوم في القلب، كيف يخطّط الرأس له، كيف يُرى ويتشكّل قبل أن يخرج إلى حيّز المناقشة والتنفيذ.

ولأنه – أي الفعل المقاوم- ليس مادّة تدرّس في الجامعات، أياً كان مستوى عراقتها، وجب علينا، نحن الذين نعرف منابعه، أصوله، وأدبياته، منطلقاته وأحكامه وصوابه، وجب علينا أن نوثّق ما حدث، ونشرح القصة، ما سبقها، وما تلاها، هكذا فعلنا، وهكذا نفعل اليوم، في وثائقي “زلزال 82″ عملية خيبر – لهيب الصنوبر“، نتحدّث عن رجل قرّر ترك بلاد الاغتراب والعودة إلى بلده، لأجل “لمّ الشمل؟” هذا صحيح، ولكن على طريقته الخاصة.

قرأنا جميعاً عن أحمد قصير، ابن الجنوب، وعن أنّ الرجل نفّذ عملية كبيرة إلى حدّ جعلته فاتح عهد الاستشهاديين، دقيقة لدرجة أفضت لاحقاً إلى التحرير، وعظيمة لدرجة أن يترك الرجل غربته، ويأتي إلى لبنان ليخطّط من “دون أيّ تردّد” – كما يقول الشهيد القائد علي كركي، والذي واكب تفاصيل العملية ميدانياً منذ لحظة التخطيط حتى التنفيذ – لعملية قال عنها الشهيد السيد حسن نصر الله إنها “شكّلت جرحاً في جسد جيش الاحتلال”، وإنها زرعت “هاجساً لدى الإسرائيلي، جعلته يتلفّت يميناً وشمالاً طيلة الوقت، من فوق أيّ مبنى مغتصب في الجنوب، وفي أيّ بيت احتلّه، ليقول “من هو أحمد التالي”؟

الشهيد علي كركي يروي قصة “فاتح عهد الاستشهاديين”

في الصباح الباكر جداً من الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1982، دوّى انفجار هائل في مدينة صور الجنوبية، معلناً معه ولادة مرحلة جديدة في تاريخ لبنان.

العملية التي نفّذها ابن بلدة دير قانون النهر الجنوبية، الشاب أحمد قصير، لم تكن مجرّد عملية يقتُل فيها عدداً من الجنود وكفى، أبداً. شكّلت هذه العملية زلزالاً ستراتيجياً أعاد رسم معادلات القوة في الجنوب. العملية استهدفت مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي الذي كان يضمّ ضباطاً من “الجيش” والمخابرات الإسرائيلية، وأسفرت عن مقتل عشرات الجنود والضباط وتدمير المبنى بالكامل.

من الذي خطّط لعملية في قلب مدينة صور، حين كان الجنوب محتلاً، ثم من الذي نفّذ وكيف؟ كيف تمّ تجهيز السيارة؟ وما أسباب التأخير الذي طرأ؟ وكيف نُفّذت لحظةً بلحظة، بحضور القائد الجهادي الشهيد عماد مغنية، والشهيد القائد علي كركي. كيف وجدت سيارة “بيجو” بيضاء طريقها بين قرى جنوبية مراقبة بالدوريات، والاحتلال منتشر في كلّ مكان؟ وكيف وصلت إلى بناء لم يكن عادياً، بل كان قلب الاحتلال في مدينة صور، ومقرّ القيادة العسكرية والأمنية لقوات العدو في الجنوب، مكوّناً من 7 طبقات، وتدار منه عمليات القتل والاعتداء على الجنوب وأهله يومياً؟ كيف كانت الليلة التي سبقت تنفيذ العملية ولماذا كانت أحلك مما يجب؟ ماذا حصل في الصباح؟ وكيف سقطت أسطورة “الجيش” الذي لا يقهر؟

هذا ما يجيب عنه الوثائقي الذي أعدّه جنود خفاء ووقفوا وراءه، ونحتوه بأفئدتهم ونفّذوه بآهاتهم، واستحضروا حقبة من التاريخ الناصع، برواية صنّاع التاريخ أنفسهم.

يعتمد الفيلم على مقابلات داخلية صُوّرت مع كركي قبل استشهاده بمدّة، ويعزّز شهادته بمشاهد أرشيفية توثّق الاجتياح الإسرائيلي في تلك المرحلة ومدينة صور، إضافة إلى استحضار أسماء الشهداء الذين شاركوا في العملية واستُشهدوا لاحقاً.

كما يتضمّن مشاهد أُعيد تركيبها بصرياً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة لحظات التنفيذ بدقّة مدروسة، من دون الإخلال بالطابع التوثيقي. ويُستكمل السرد بمواد إعلامية عبرية مترجمة، توثّق الاعتراف الإسرائيلي بالعملية ونتائجها والخسائر التي أُقرّ بها بعد أكثر من أربعة عقود على وقوعها، ما يمنح العمل بعداً توثيقياً مضاعفاً بين الرواية والشهادة المقابلة.

 شكّلت منعطفاً كبيراً في مسار المقاومة

طوال سنوات، أخفى الاحتلال الحقيقة، وقال إنّ ما حصل كان انفجار عبوة غاز، لكن ما حدث، لم يكن غازاً، مرت العقود وظلت الرواية محبوسة، إلى أن اعترف ضباط سابقون عام 2023 بأنّ ما حدث في صور، كان عملية استشهادية منظّمة، نفّذها شاب لبناني اسمه أحمد قصير.

ولأنّ المبنى انهار وكأنه “من ورق” كما اعترف الإسرائيلي على لسانه، ولأنّ العملية أكّدت المعادلة التي تقول إنّ جنود الاحتلال لن يكونوا آمنين على طريق الجنوب، جاء  وثائقي “زلزال 82″ عملية خيبر – لهيب الصنوبر” ضمن هذا السياق من شرح الحقيقة، إنه عمل يستعيد به “مجتمع المقاومة” روحه الفدائية المعطاءة، بلا حسابات سوى تحرير الوطن، كلّ الوطن، وسوى رفض الذلّ ومواجهة الإذلال، واحتضان الكرامة بلا نقصان.

قصة الشهيد أحمد قصير، كما قدّمها الوثائقي، هي في عمقها، قصة تختصر “مجتمعاً” اختار المقاومة نمط حياة، أدباً، سلوكاً، وذهنية وتفكيراً، ضمن عقيدة دينية ثقافية اقتحامية متأصلة في الذات الـمبنية على  قيمة الكرامة، بإيمان وتواضع.

هذا الوثائقي ليس استعادةً لحدث مضى فحسب، بل استعادة لروحٍ صنعت الحدث. هو دعوة إلى قراءة المقاومة بوصفها خياراً ثقافياً وفكرياً قبل أن تكون فعلاً عسكرياً، ونقاشاً يتجاوز اللحظة الحدثية إلى العمق الاستراتيجي والمعرفي.

لذلك، فإنّ مشاهدة “زلزال 82” لا ينبغي أن تكون متابعة عابرة، بل مدخلاً إلى نقاشٍ أوسع: في معنى الكرامة حين تُختبر، وفي معنى الثبات حين تتكاثر المساومات، وفي مسؤوليتنا الإعلامية تجاه توثيق الذاكرة وصونها. هو عمل يستحقّ أن يُشاهد، وأن يُناقَش، لأنّ في قلب التوثيق أمانة، وفي قلب الأمانة وفاءً لمسارٍ ما زال مستمراً.

لمشاهدة الوثائقي كاملاً👇

شارك المقالة