مع التقدّم السريع الذي حققه الجيش السوري في مناطق شرق البلاد، وتراجع نفوذ تنظيم “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية)، برز تحوّل لافت في السلوك الإسرائيلي تمثّل في عدم التدخل العسكري المباشر، خلافًا لتوقعات سادت سابقًا في ضوء الخطاب الإسرائيلي الداعم للميليشيات الكردية ومنظومة الأقليات.
هذا التحوّل لم يكن خيارًا سياسيًا إسرائيليًا بقدر ما جاء نتيجة مفاجأة ميدانية وضغوط دولية فرضت مسارًا جديدًا أعاد رسم قواعد الاشتباك في الساحة السورية، وفقا لمحللين.
من دعم الأقليات إلى واقع ميداني مفاجئ
المختص في العلاقات الدولية خالد خليل أكد أن إسرائيل اضطرت إلى عدم التدخل عسكريًا في تطورات الجزيرة السورية، بعدما تفاجأت بسرعة تقدّم الجيش السوري واتساع رقعة سيطرته خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي أسقط تقديراتها المسبقة وقلّص قدرتها على المناورة.
وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي كان ينظر إلى الأكراد كأداة وظيفية ضمن سياسة دعم المنظومات الأقليّة واستخدامها للضغط السياسي والتفتيت، وهو ما ظهر سابقًا في السويداء ومع قسد، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة فرضت واقعًا مختلفًا لم يكن في الحسبان.
ولفت خليل إلى أن هذا التسارع الميداني دفع الولايات المتحدة إلى التدخل السريع لمنع انزلاق الوضع نحو مواجهة إقليمية أوسع، ما أسفر عن تفاهمات أُعلنت في السادس من يناير عبر بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، تحدث عن ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل، الأمر الذي قيّد الحركة الإسرائيلية ومنعها من الذهاب إلى خيار التدخل المباشر.
وأكد أن هذا الواقع شكّل خيبة أمل مباشرة لتنظيم قسد، الذي كان يعوّل على تدخل إسرائيلي واضح، قبل أن يتبيّن أن “تل أبيب” غير قادرة على تجاوز الخطوط الأمريكية في هذه المرحلة.
وأشار خليل إلى أن إسرائيل بنت خطابها منذ سقوط نظام الأسد على ذرائع أمنية متعددة، من بينها التخويف من قيام نظام إسلامي في دمشق أو تضخيم النفوذ التركي، إلا أن هذه الذرائع اصطدمت بتقارير سياسية واستخباراتية غربية وأمريكية أشارت إلى تحوّل نهج الدولة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، نحو الاستقرار وبناء دولة مركزية قادرة على ضبط الجغرافيا وعدم تهديد الجوار الإقليمي.
الجنوب السوري بين الضغوط الدولية واختبار الاستقرار
من جهته، قال رشيد حوراني، الباحث في مركز جسور للدراسات، إن المشهد في الجنوب السوري يختلف عن الشمال، حيث دعمت تركيا الحكومة السورية سياسيًا في إنهاء مشروع الذراع العسكري لحزب العمال الكردستاني بدافع مخاوفها الأمنية، بينما برز في الجنوب دور إسرائيلي داعم لتوجهات حكمة الهجري في السويداء.
وأشار حوراني إلى أن هذا الدعم الإسرائيلي يبقى محدودًا وهشًا، لأن الهجري يمثل ورقة استخدام سياسي مؤقتة دون رؤية استراتيجية واضحة، لافتًا إلى أن غياب الصدى الإسرائيلي لتصريحاته الأخيرة يعكس تراجع الرهان عليه في ظل موقف دولي داعم للحكومة السورية.
ونوّه إلى أن هذا الدعم الدولي يهدف إلى تمكين دمشق من تثبيت الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني ومحاربة تنظيم داعش، وهي ملفات تمتلك الحكومة السورية القدرة على التعامل معها بما يخدم مصالحها الإقليمية والدولية.
ولفت إلى أنه، قياسًا على ما جرى شرق سوريا، ستتعرض إسرائيل لضغوط أمريكية تحول دون تدخلها جنوبًا، مع توجه لمنح أبناء السويداء امتيازات أوسع في الإدارة والأمن بإشراف الحكومة السورية، مشيرًا إلى أن واشنطن تنظر إلى السويداء كنموذج لاختبار آليات إدارة الدولة واستقرارها.
قراءة عسكرية مختصرة للصدمة الإسرائيلية
بدوره، قال رامي أبو زبيدة إن التقدم السريع للجيش السوري أربك التقديرات الإسرائيلية، حيث عكست تقارير الإعلام العبري حالة صدمة من قدرة القيادة السورية على استعادة زمام المبادرة وتوحيد الجغرافيا السورية.
وأشار إلى أن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بالبعدين العسكري والأمني، بل بالبعد الاقتصادي أيضًا، مع عودة حقول النفط والغاز إلى الإطار المؤسسي للدولة السورية، ما يعني نهاية حقبة الابتزاز الاقتصادي وتعزيز قدرة الدولة على الاستقرار وإعادة الإعمار.
وأوضح أن انهيار تنظيم قسد أسقط عمليًا أحد أهم مشاريع التقسيم، ووجّه رسالة واضحة مفادها أن وحدة المصير السوري أقوى من الدعم الخارجي، وهو ما عزّز المخاوف الإسرائيلية من عودة دولة سورية مركزية قادرة على فرض سيادتها.
وتشير مجمل التطورات السياسية والعسكرية إلى أن عدم تدخل إسرائيل في معركة قسد لم يكن خيارًا طوعيًا، بل نتيجة مفاجأة ميدانية وضغوط أمريكية فرضت مسارًا جديدًا يقوم على ضبط الصراع. وبينما تتقدم سوريا بخطوات ثابتة نحو توحيد البلاد وبناء دولة مركزية مستقرة، تتراجع فاعلية أوراق الأقليات ومشاريع الفوضى في معادلة إقليمية جديدة تتجه نحو الاستقرار والتنمية بدل التفتيت والصراع.
قدس برس