يُعد ملف العلاقة العراقية–الأميركية من أعقد الملفات وأخطرها، إذ يمر بمرحلة دقيقة وحساسة بعد أكثر من عقدين من التواجد العسكري الأميركي في العراق، فيما تسعى الحكومة العراقية إلى صياغة سياسة خارجية متوازنة تراعي مصالحها الداخلية والإقليمية، مع الحفاظ على قنوات التعاون مع واشنطن في مجالات الأمن والاقتصاد.
من أهم ملامح السياسة العراقية تجاه واشنطن هو الانسحاب الأميركي التدريجي، فقد أعلنت الإدارة الأميركية عن إنهاء عملية “العزم المتأصل” ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها أبقت وجوداً محدوداً تحت عنوان “استشاري”، ما يفرض على الحكومة العراقية إيجاد آلية واضحة للتعامل مع مرحلة ما بعد خروج القوات الأميركية نهائياً، والتوازن بين القوى الإقليمية المجاورة للعراق، إذ يجد نفسه بين نفوذ إيران المتزايد ورغبة واشنطن في تقليص هذا النفوذ، ما يدفع الحكومة إلى انتهاج سياسة وسطية لتجنب الانحياز الكامل لأي طرف.
إلى جانب ذلك، يبقى الاقتصاد أداة ضغط أساسية، فالولايات المتحدة لا تزال تملك تأثيراً كبيراً على الاقتصاد العراقي، خصوصاً عبر النظام المالي العالمي والدعم التقني، وهو ما يجعل بغداد مضطرة للحفاظ على علاقات مستقرة مع واشنطن. أما الملف الأمني فيُعد معقداً ومتذبذباً، إذا ما علمنا أن خيوطه ما زالت بيد أطراف داخلية وخارجية عديدة. فبالرغم من تقليص عدد القوات الأميركية في العراق، يبقى التعاون العسكري قائماً عبر الطائرات المسيّرة والدعم الاستخباراتي، وهو ما يثير جدلاً داخلياً بين القوى السياسية العراقية حول مدى استقلالية القرار الأمني.
ما زالت واشنطن تواصل تدريب القوات العراقية وتقديم الدعم اللوجستي، لكن التساؤلات ما زالت تُطرح من العراقيين: هل هذا التعاون يعزز قدرات الدولة أم يكرّس اعتمادها على الخارج؟
رؤية العراق الأمنية والسياسية تجاه واشنطن تقوم على معادلة دقيقة، فالحفاظ على السيادة الوطنية يُعد من أولويات الحكومة العراقية والقوى السياسية، مع ضرورة استمرار التعاون الاستراتيجي والانفتاح على العالم، وسط انسحاب أميركي تدريجي وضغوط إقليمية متزايدة. كما أن العلاقات العراقية–الأميركية لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الوجود العسكري، بل من منظور أوسع يشمل الأمن والاقتصاد والسياسة الإقليمية. لذلك يسعى العراق إلى صياغة رؤية متوازنة تضمن مصالحه الوطنية دون الانجرار إلى محور واحد، في وقت تعيد واشنطن ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط.
المشهد العراقي–الأميركي لم يعد مجرد علاقة بين دولة كانت محتلة وأخرى تبحث عن خلاصها، بل تحول إلى ساحة اختبار لإرادة بغداد في فرض سيادتها، ولقدرة واشنطن على إعادة صياغة نفوذها في الشرق الأوسط من خلالها. وإن قرار الكونغرس الأميركي بإلغاء تفويضَي الحرب لعامي 1991 و2002 وضع السيادة العراقية على المحك، وبدا وكأنه اعتراف متأخر بأن العراق لم يعد ساحة مفتوحة للتدخل العسكري، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي هذا الإلغاء لإقناع العراقيين بأن واشنطن تخلت عن عقلية الهيمنة على المنطقة وتريد فرض سطوتها عليها؟
العلاقة بين بغداد وواشنطن تغيرت تماماً خلال عام 2025، ويأتي ذلك من خلال دخول شركات النفط الأميركية، وعلى رأسها “شيفرون”، إلى قلب الحقول العراقية بعقود ضخمة. هذه الاستثمارات قد تبدو فرصة لإنعاش الاقتصاد، لكنها أيضاً تحمل بذور الارتهان إذا لم تُدار بعقلية وطنية تحفظ للعراق ثرواته وتمنع تحوّلها إلى ورقة ضغط أميركية جديدة.
ما زالت واشنطن تواصل تدريب القوات العراقية وتقديم الدعم اللوجستي، لكن التساؤلات ما زالت تُطرح من العراقيين: هل هذا التعاون يعزز قدرات الدولة أم يكرّس اعتمادها على الخارج؟ في ظل الصراع الدائر في المنطقة، يبقى العراق مهدداً بأن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بدل أن يكون دولة ذات قرار مستقل.
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستثمر هذه المرحلة لبناء علاقة متوازنة مع واشنطن قائمة على الندية والاحترام المتبادل، أو أن ينزلق مجدداً إلى دائرة التبعية التي خبرها شعبه لعقود. إنها لحظة الحقيقة… فهل يملك العراق الشجاعة ليقول لواشنطن: شراكة نعم، وصاية لا؟
بقلم: محمد حسن الساعدي
المصدر: موقع العرب