اعتبر متخصصون وخبراء في الشأنين المقدسي و”الإسرائيلي” أن موجة التشريعات التي يدفع بها وزراء اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير، تعكس اتساع الهجمة التشريعية التي تستهدف الفلسطينيين في الداخل المحتل، وتمسّ بشكل مباشر حقوقهم الدينية والمدنية.
ويرى هؤلاء الخبراء تحدثت إليهم “قدس برس” أن إعادة طرح مشروع حظر الأذان داخل الخط الأخضر، بالتوازي مع الدفع بقانون إعدام الأسرى، يمثلان تصعيدًا غير مسبوق يهدف إلى تكريس بنية قانونية عنصرية تُشرعن سياسات التضييق، وتعيد إنتاج أنماط الحكم العسكري الذي فُرض على الفلسطينيين بعد النكبة.
وفي هذا السياق، قال المتخصصون إن هذه المشاريع لا تُقرأ بمعزل عن البيئة السياسية المتوترة داخل “إسرائيل”، ولا عن التنافس داخل الائتلاف الحاكم، مشيرين إلى أن مرور هذه القوانين سيقود إلى مزيد من الاحتقان وربما إلى انفجار واسع في الضفة الغربية والداخل المحتل، وسط تحذيرات من أجهزة الأمن “الإسرائيلية” نفسها من تداعيات هذا المسار.
استهداف الهوية وتجريم العبادة
وقال المتخصص في شؤون القدس علي إبراهيم إن إعادة طرح ما يُعرف بـ(قانون حظر الأذان) يمثل خطوة تشريعية تصعيدية تستهدف أحد أبرز الرموز الدينية الإسلامية في الأراضي المحتلة، مؤكدًا أن المشروع يعكس اتساع الهجمة التهويدية التي تطال هوية الفلسطينيين في الداخل المحتل.
وأوضح إبراهيم في حديث لـ”قدس برس” أن نجاح الاحتلال في تمرير القانون داخل مناطق 1948 سيُمهّد لتوسيعه لاحقًا ليشمل القدس المحتلة وغيرها من المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية “الإسرائيلية” المباشرة.
وأضاف إبراهيم أن هذا المشروع يأتي ضمن سلسلة تشريعات متتالية تستهدف الفلسطينيين، بدءًا من قانون إعدام الأسرى وصولًا إلى حظر الأذان، مشيرًا إلى أن خطورة القانون تكمن في أنه يعتمد قاعدة (الحظر كأصل والتصريح كاستثناء)، ما يعني عمليًا تجريم الأذان بكامل أشكاله، سواء اعتُبر مصدر إزعاج كما يدّعي حزب بن غفير أم لا.
وبيّن أن ذلك يحوّل الأذان إلى ممارسة مشروطة ترتبط بالموافقات الأمنية “الإسرائيلية”، في مساس واضح بحرية العبادة.
وأشار إلى أن النص المقترح يمنح الشرطة صلاحيات مباشرة لوقف الأذان فورًا، ومصادرة مكبرات الصوت، وفرض غرامات قد تصل إلى عشرات آلاف الشواكل، وهو ما يعكس –على حد قوله– الهدف الحقيقي للقانون: فرض مزيد من القيود على الفلسطينيين وتشديد الرقابة على الفضاء الديني الإسلامي، بما يفتح الباب أمام تدخلات أمنية واسعة قد تطال الأئمة وخطباء المساجد وتعرقل إقامة الشعائر الدينية.
ولفت إبراهيم إلى أن ربط منح التصاريح بمعايير فضفاضة، مثل تأثير الصوت أو قرب المسجد من المناطق السكنية، يتيح للاحتلال استخدام القانون بصورة انتقائية وعنصرية تجاه المساجد داخل أراضي 48، مرجحًا أن يمتد تطبيقه لاحقًا إلى القدس المحتلة، استنادًا إلى الأنماط التشريعية والسلوكية التي تبناها الاحتلال خلال السنوات الماضية.
نذير انفجار وحسابات سياسية
وقال الخبير في الشؤون “الإسرائيلية” علي الأعور إن إيتمار بن غفير يواصل سنّ القوانين وتقديم مشاريع تشريعية تستهدف الفلسطينيين، بدءًا بقانون إعدام الأسرى، وصولًا إلى مشروع قانون يحظر الأذان عبر مكبرات الصوت داخل الخط الأخضر في الأراضي المحتلة عام 1948.
وأضاف الأعور في حديث ل”قدس برس” أن بن غفير يسعى إلى إعادة الحكم العسكري على فلسطينيي الداخل، بما يعني فرض احتلال عسكري كامل على كل فلسطين.
وأوضح أن المشروع الجديد لبن غفير يحمل طابعًا عنصريًا صارخًا، ويتجاوز القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة، فضلًا عن خرقه لقرارات الشرعية الدولية.
وأشار إلى أن امتلاك بن غفير وسموتريتش للأغلبية في الكنيست يجعل تمرير أي مشروع قانون يتقدمان به أمرًا مرجّحًا في القراءات الثلاث، ما يعني تحوله إلى قانون أساس، لتبقى فقط مرحلة مصادقة المحكمة العليا عليه.
وبرأي الأعور، ما تزال المحكمة العليا في “إسرائيل” —المصنّفة على التيار اليساري— تمتلك قدرًا من القوة قد يدفعها إلى رفض القانون إذا أُقر في القراءتين الثانية والثالثة.
وتابع قائلاً إن هذه السياسات أثارت بالفعل ردود فعل غاضبة في بيسان والعفولة، وقبلها في مفترق راموت، مؤكدًا أن النهج الذي يقوده بن غفير وسموتريتش سيدفع نحو انفجار كبير في الضفة الغربية، وهو ما سبق أن حذّر منه جهاز الشاباك، معتبرًا أن الأوضاع في الضفة قد تنفجر بطريقة لا تقل خطورة عما شهدته غزة.
وعاد الأعور للحديث عن الداخل المحتل، متسائلًا عن موقف أعضاء الكنيست العرب واللجنة العربية، مرجّحًا إمكانية بروز حراك عربي واسع رغم القوانين والأحكام التعسفية الصادرة بحق الفلسطينيين هناك بعد هبّة الكرامة، والتي وصلت أحكامها إلى سبع وعشر سنوات سجن، وغرامات مالية باهظة.
وأكد أن هذه الإجراءات لن تمرّ بسهولة على أهلنا في الداخل المحتل، مشددًا على أن المشروع سيواجه معارضة داخل الائتلاف الحاكم نفسه، خصوصًا بعد تراجع الليكود بمقعدين وفق استطلاعات الرأي الأخيرة.
وأوضح الاعور أن نتنياهو ما يزال يراهن على إمكانية بناء شراكة مع منصور عباس، رئيس الحركة الإسلامية – الجناح الجنوبي، الأمر الذي يجعله غير متحمس لتمرير هذا المشروع.
وبرأي الأعور، من المتوقع أن يعارض نتنياهو القانون، ليس رفضًا لمضمونه بل حفاظًا على بقاء حكومته، لأن الليكود ما زال بحاجة إلى دعم منصور عباس للبقاء في الحكم. وأضاف أن مجرد طرح المشروع يكشف طبيعة النظام القائم في “إسرائيل”، الذي يتجه نحو نموذج أبرتهايد وفصل عنصري صريح، مع عودة ملامح الحكم العسكري في الداخل المحتل.
وتابع الأعور بالقول أن المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات سياسية ونقابية ودبلوماسية من قبل الفلسطينيين في الداخل ردًا على هذه الإجراءات، وربما تتطور إلى أشكال حراك أوسع.
واعتبر أن بن غفير يدفع “إسرائيل” والمستوطنين نحو مزيد من التصعيد، بل وتصعيد مضاعف ستكون له تداعيات خطيرة على المشهد برمّته.
تفاصيل مشروع بن غفير لتجريم الأذان وإسكات المآذن
وتقدم حزب “عوتسما يهوديت” الذي يقوده وزير الأمن القومي، المتطرف إيتمار بن غفير، بمبادرة تشريعية جديدة تستهدف رفع الأذان في المساجد.
وأعلن الحزب، في بيان الأحد، أن بن غفير ورئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست (برلمان الاحتلال)، يعملان على تشريع قانون جديد يقوم على مبدأ “الحظر كقاعدة عامة، ومنح تصريح خاص”، إلى جانب تشديد إجراءات الإنفاذ وفرض غرامات مالية مرتفعة.
وينصّ المقترح على أنه “لن تُقام ولن تُشغَّل أي منظومة مكبّرات صوت في مسجد دون الحصول على تصريح”، على أن يُمنح التصريح بعد فحص جملة معايير، من بينها قوة الصوت، ووسائل الحد منه، وموقع المسجد، وقربه من مناطق سكنية، وتأثير الصوت على السكان.
وبحسب المقترح، يحقّ لشرطي، في حال خرق الشروط، “المطالبة بوقف فوري للتشغيل”، وإذا استمر الخرق، “مصادرة منظومة مكبّرات الصوت”.
كما حدّد مشروع القانون غرامات مالية بذريعة “الردع”، وفق البيان، تشمل: غرامة بقيمة 50 ألف شيكل (15 ألف دولار) في حال إقامة أو تشغيل منظومة مكبّرات دون تصريح؛ وغرامة بقيمة 10 آلاف شيكل (3100 دولار) في حال التشغيل خلافًا لشروط التصريح.
قدس برس