في قرية “رأس طيرة” جنوبي مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، لم يعد الأذان مجرد نداء للصلاة؛ بل تحوّل إلى ساحة مواجهة جديدة مع سياسات الاحتلال، بعد إصدار قرار يقضي بخفض صوته بذريعة “إزعاج المستوطنين”. ووجد الأهالي أنفسهم أمام إجراء يمسّ جوهر حرية العبادة ويكشف عن مستوى جديد من التضييق الديني المتصاعد.
هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق السيطرة الاستيطانية ومحاولات فرض واقع جديد تتحكم فيه سلطات الاحتلال بأدق تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك صوت المساجد ورمزية المكان والهوية.
“مساس مباشر بحرية العبادة”
يؤكد محمود شواهنة، إمام مسجد القرية، أن ما يجري يمثل “مساسًا مباشرًا بحرية العبادة التي كفلها الإسلام”، مضيفًا أن صوت الأذان بات “محاصرًا تحت وطأة القرارات العسكرية”.
وقال شواهنة لـ”قدس برس” إن الاحتلال “يحاول فرض الصمت قسرًا على مساجد القرية”، مشيرًا إلى أن هذه السياسة “منهجية قديمة يمارسها الاحتلال عبر التاريخ، لأنه يرى في الأذان والمساجد والمنابر رموزًا إسلامية وعربية”.
وأضاف أن الاحتلال “يعاقب أهالي قرى جنوب قلقيلية الصامدين من خلال إجراءات عقابية تشمل الحصار، والمنع من الوصول إلى الأراضي الزراعية، وصولًا إلى محاولة كبت صوت الأذان وخفضه لصالح المستوطنين ومشاعرهم”.
تحريض استيطاني وحملات لمنع الأذان
من جهته، قال أحمد رشيد، عضو مجلس القرية، إن ما يحدث “ليس المرة الأولى”، موضحًا أن الاحتلال تدخل سابقًا في خفض الأذان ومنعه تحت ضغط المجموعات الاستيطانية، كما تدخل في منع الإذاعات المدرسية في عدة مدارس.
وكشف رشيد عن وجود حملات تحريضية ينشرها المستوطنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتقاطع مع مساعي الاحتلال لمنع الأذان، مضيفًا: “المستوطنون أطلقوا حملات لوقف الأذان بحجة الإزعاج، رغم أن خطابهم مليء بالكراهية والتحريض الديني والدعوات للتضييق على حياة الفلسطينيين، خصوصًا في القرى المحاذية للمستوطنات”.
واعتبر رشيد أن الأذان “رسالة وحدة وطمأنينة واستقرار يؤمن بها كل مسلم”، متسائلًا: “كيف يمكن لمستوطن حاقد وحكومة تمارس القمع أن تحترم الأذان، وهو رمز للسكينة والإنسانية؟”.
وأضاف أن هذه الدعوات “استفزاز للفلسطينيين، ومحاولة لتأجيج المشاعر الدينية، وتمهيد لمرحلة خطيرة ستترك آثارًا صعبة على حياة السكان، وتعكس مدى تدخل الاحتلال في تفاصيل حياتهم اليومية بذريعة توفير الهدوء للمستوطنين”.
منشورات تهديد… واعتداء على حرية العبادة
وكانت سلطات الاحتلال قد وزّعت قبل أيام منشورات على أهالي رأس طيرة تطالبهم بخفض صوت الأذان في مسجدي القرية، بحجة إزعاج المستوطنين في مستوطنة “ألفي منشة” المقامة على أراضي البلدة.
ورأى الأهالي في هذه الخطوة اعتداءً على حرية العبادة واستمرارًا لسياسة التضييق، خاصة في ظل تهديد جنود الاحتلال باعتقال أئمة المساجد في حال تكرار رفع صوت الأذان.
يبلغ عدد سكان رأس طيرة نحو 700 نسمة، وتُقدّر مساحة أراضيها بحوالي 1000 دونم، وهي مصنفة ضمن المنطقة (ج) (خاضعة للسيطرة الإسرائيلية)، ومحاصرة بجدار الفصل الأمني من جميع الجهات، ما يجعلها واحدة من أكثر القرى تضررًا من سياسات العزل والتقييد.
قدس برس