عبد الباري عطوان
إطلاق الشاب الافغاني “المهاجر” رحمن الله لاكانوال النار على جنديين من الحرس الوطني الامريكي واصابتهما إصابات قاتلة، وبالقرب من البيت الأبيض، لا يعكس بداية التغيير في أمريكا، وانجرافها نحو العسكرة والديكتاتورية الفاشية، وانما نحو الانهيار والتفكك أيضا، والفضل في ذلك يعود الى “الامبراطور” الفاشي دونالد ترامب والمجموعة اليمينية العنصرية المحيطة به ومعظمهم من أقاربه وازواج بناته، وسماسرة العقارات، علاوة على إصابته بعدوى فيروس “السلام” المفروض بالقوة وحرب الإبادة الإسرائيلي الطابع والمنشأ، نقولها التزاما بحقوق النشر.
لقد أصاب الكاتب الأمريكي ماكس بوت كبد الحقيقة عندما قال في عموده في صحيفة “واشنطن بوست” في عددها الصادر امس الأربعاء “أمريكا تحولت من قوة ديمقراطية رائدة الى دولة مارقة تفرض السلام بالقوة والتهديد، وتفرض رسوما جمركية عالية على أقرب حلفائها، وضمهم بالقوة والابتزاز، وكندا والدول الأوروبية هما أفضل الأمثلة”.
***
قوات الحرس الوطني الذين نشر ترامب أكثر من 2500 منهم في العاصمة واشنطن، وآلاف آخرين في لوس انجيليس، والبلديات الامريكية التي يحكمها الديمقراطيون، باتت تتنافس مع ميليشيات الدول الديكتاتورية في دول العالم الثالث المستبدة، وخاصة في منطقة الشرق الاوسط.
فعندما يخرج ترامب عن كل الأعراف الديمقراطية والإنسانية، ويتطاول على زهران ممداني عمدة نيويورك الجديد لانه مسلم ويتهمه بالشيوعية، ويهدد بسحب جنسيته الامريكية وطرده من البلاد، ويرفض مصافحة صديق خان عمدة لندن التي تعتبر أكبر عاصمة غربية في العالم، ولأنه مسلم أيضا، ويلمح الى اتهامه وعاصمته بالقذارة، وكان اول قرار اتخذه بتوليه السلطة منع دخول مواطني الدول الإسلامية الى الولايات المتحدة، أليست هذه الممارسات والقرارات التي نسوقها على سبيل المثال، تعكس العنصرية الفاشية في أبشع صورها؟
نزيدكم من الشعر قصيدة، فها هو يستعد لإصدار قرار بوضع حركة “الاخوان المسلمين” على قائمة الإرهاب، ويهدد بطرد جميع المسلمين من الولايات المتحدة، ويصدر امرا الى دائرة خدمات الهجرة والجنسية بتجميد جميع طلبات طالبي اللجوء الافغان (190 الفا) الذين وصلوا الى امريكا في أيلول (سبتمبر) عام 2021 بعد هزيمة أمريكا وهروبها المذل من أفغانستان، أي انه سيعاقب، وربما يرحّل، جميع هؤلاء “العملاء” الذين قاتلوا مع الجيش الأمريكي ضد “مجاهدي” بلادهم، لان أحدهم اخترق القانون واطلق النار على بعض الجنود الأمريكيين قرب البيت الأبيض، هل هذا التصرف يصدر عن رئيس دولة تدعي انها زعيمة العالم الحر الديمقراطي؟
“لاكانوال” الذي أقدم على هذا العمل الفردي كان يعمل مع المخابرات الامريكية في أفغانستان، أي انه نتاج تربيتهم وتدريبهم، سياسيا وايديولوجيا وعسكريا، وكان على الإدارة الامريكية ان تبحث في الأسباب التي دفعته الى الاقدام على هذا العمل “الإرهابي”، وليس اقدام رئيس الدولة بوصفه بالحيوان، وهي ليست الفاظ تصدر عن رئيس الدولة الأعظم والأكثر حضارية وتقدم في العالم.
نعم أمريكا أصبحت دولة مارقة، ومكروهة من أقرب اصدقائها وحلفائها، باستثناء بعض العرب، وبات من الصعب التفريق بين رئيسها وزعماء بينها وعصابات المافيا، وفي القرن الواحد والعشرين، ورئيسها الذي لا يتورع مطلقا عن الخروج عن القانون، بل والقذف به الى صندوق القمامة، ولعل قرار المحكمة الفيدرالية الذي أكد ان نشر قوات الحرس الوطني “غير قانوني” و”غير دستوري” هو ما يؤكد كلامنا المذكور آنفا.
***
لم يبق من حكم ترامب الا ثلاث سنوات، وهي كافية وكفيلة بتخريب أمريكا، وتفكيكها، وخروج ولاياتها من الاتحاد الواحدة تلو الأخرى، ابتداء من تكساس وكاليفورنيا وربما بنيويورك ايضا التي كان عمدتها المنتخب ممداني اول من رفع راية الاحتجاج والتحدي، والانحياز الى الفقراء، ودماء الشهداء والصامدين في قطاع غزة، ووصف ساكن البيت الأبيض بالفاشية بكل شجاعة واصرار.
أمريكا ستخسر ملياري مسلم، وأكثر من ملياري أوروبي وكندي وامريكي جنوبي، ولا ننس الصين وروسيا، وافريقيا وآسيا، ولن يبقى معها الا تسعة ملايين إسرائيلي ان لم يكن اقل، هذا اذا بقيت إسرائيل على قيد الحياة، فهنيئا لامريكا بهذا العبقري المسمى دونالد ترامب الذي يقودها الى الكراهية والعزلة والدمار.
رأي اليوم