في خضّم الحديث عن بيع واشنطن الطائرات المتطورّة من طراز (الشبح) للعربيّة السعوديّة، يتجاهل الإعلام الغربيّ والإسرائيليّ أيضًا أنّ كيان الاحتلال يملك ترسانةً نوويةً كبيرةً، بدعمٍ أمريكيٍّ، وهذه الترسانة تضمن لها التفوّق في جميع المجالات، أيْ أنّ الطائرات من طراز إف 35 لا تُسمِن ولا تُغني عن جوع، وأنّ الصراخ الصهيونيّ ضدّ الصفقة مع السعوديّة ما هو إلّا تعبيرًا مبتذلاً عن الخشية من الرياض.
وفي هذا السياق، واعتمادًا على مصادر وازنةٍ في كلٍّ من واشنطن وتل أبيب كشف المحلل الإسرائيليّ باراك رافيد، المعروف بصلاته الشخصية مع الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب، أنّ القرار الذي اتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هو ليس أقلّ من كونه تاريخيًّا، فللمرة الأولى سيتّم نشر قوّةٍ عسكريّةٍ دوليّةٍ في قطاع غزة، كجزءٍ من محاولة حلّ الصراع الإسرائيليّ – الفلسطينيّ.
وفي مقالٍ له على موقع القناة الـ 12 بالتلفزيون العبريّ قال رافيد: “طوال 58 سنة، منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، تحاول إسرائيل دفع كلّ تدخلٍ دوليّ ٍ مباشرٍ في الصراع الإسرائيليّ – الفلسطينيّ بكلّ طريقةٍ ممكنةٍ، ولنصف هذه المدة كان بنيامين نتنياهو في مناصب مفتاحية في هذا الصراع، كملحقٍ في واشنطن، وكسفيرٍ في الأمم المتحدة، وكنائبٍ لوزير الخارجية، وكرئيسٍ للحكومة، لكن تدويل الصراع جرى الآن في فترته”.
ومضى قائلاً، نقلاً عن ذات المصادر، إنّه “يمكن القول إنّ الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ لن يبدو من الآن فصاعدًا كما كان”، موضحًا أنّ “القرار الذي اُعتمد في مجلس الأمن يخول هيئتين دوليتين إدارة قطاع غزة بشكلٍ مؤقتٍ: (مجلس السلام)، الذي سيكون الحكومة المؤقتة، وقوة التثبيت الدولية، التي ستكون الجيش المؤقت، وهما سيعملان لمدة عاميْن على الأقل، ومرجح لفترةٍ أطولٍ بكثيرٍ”.
ولفت إلى أنّ هاتين الهيئتين ستعملان بتنسيقٍ مع إسرائيل، لكنهما لن تتلقّيا الأوامر منها، معتبرًا أنّ “سلوك الأحداث حول قطاع غزة في الشهر الأخير يدلّ على أنّه إذا كان هناك طرف سيُطلب منه التماهي فهي إسرائيل”.
علاوةً على ذلك، أكّد رافيد أنّ إسرائيل لم ترغب بهذا القرار في مجلس الأمن، لكن إدارة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب أوضحت أنّه من دون ذلك لن توافق دولٍ على إرسال جنودٍ إلى القوة الدوليّة في غزة، ولم يكن لدى إسرائيل فعليًّا ما يمكنها أنْ تجادل به، مشيرًا إلى أنّ القرارات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كانت دائمًا تسبّب صعوبة لبنيامين نتنياهو، وهو نفسه كان قد شرح قبل بضعة أشهر فقط أنّه لا يمكن الموافقة على صفقة حسم ووقف إطلاق النار لأنّ (حماس) ستطلب المصادقة عليها في مجلس الأمن. وادّعى نتنياهو آنذاك أنّ قرارًا في مجلس الأمن سيُكبِّل يدي إسرائيل بحيث لن تتمكن من العودة للعمل ضدّ حماس.
وأردف رافيد: “أمس، تحت عجلات الجرافة التابعة لترامب، اضطر نتنياهو إلى قبول قرار كهذا بخضوع”
بالإضافة إلى ما ذُكِر أعلاه، رأى رافيد أنّ البند في القرار الذي يتحدّث عن (مسارٍ نحو دولةٍ فلسطينيّةٍ) أثار عاصفةً سياسيّةً أكبر بكثيرٍ من حجمه، معتبرًا أنّ صياغة هذا البند كانت أضعف بكثيرٍ من قراراتٍ سابقةٍ في مجلس الأمن، ومع ذلك، حقيقة أنّه مرّ من دون معارضة حقيقية في الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيلأمر جدير بالملاحظة.
وتابع المحلل الإسرائيليّ أنّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي وصل إلى البيت الأبيض، يستطيع أنْ يُسجّل لنفسه انتصارًا أوليًا في ضوء إعلان الرئيس ترامب أنّه سيبيع طائرات F-35 للسعودية، معتبرًا أنّ الهستيريا بشأن هذه الصفقة مبالغ فيها وجزء منها مصطنع، فإنّها تذكّر بالذعر الذي أعقب قرار إدارة ترامب في 2020 بيع طائرات F-35 للإمارات بعد توقيع اتفاقات ابراهام.
وقال: “خمس سنوات بعد ذلك، لم تُنفّذ الصفقة، من بين أمورٍ أخرى لأنّ الإماراتيين لم يوافقوا على الشروط والقيود الأمريكيّة على استخدام الطائرات”، مضيفًا: “الصفقة ما تزال بحاجةٍ لتجاوز الكثير من العقبات، بما في ذلك الكونغرس الأمريكيّ الذي قد ينتقل خلال سنةٍ إلى سيطرةٍ ديمقراطيّةٍ، وحتى لو تقدّمت الصفقة وخرجت إلى حيّز التنفيذ، ستمر ست سنوات على الأقل حتى تهبط الطائرة الأولى في السعودية، وحتى بعد وصول الطائرات إلى السعودية، ستكون لدى الأمريكيين القدرة على تقييد استخدامها”.
وسأل رافيد: “هل ستكون صفقة الـF-35 مع السعودية جزءًا من عملية تطبيع مع إسرائيل؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذا إنجازٌ سياسيٌّ دراماتيكيٌّ لنتنياهو. وإذا كانت الإجابة لا، فهذا فشلٌ سياسيٌّ مدوٍّ لرئيس الحكومة مع تبعاتٍ أمنيّةٍ خطيرةٍ”.
وختم رافيد قائلاً: “قرار مجلس الأمن بخصوص قطاع غزة خلق سابقةً سياسيّةً سيكون من الصعب جدًا على إسرائيل التراجع عنها، وإذا حدث، فقد يصبح هذا النموذج أساسًا لخطواتٍ مشابهةٍ في المستقبل في الضفّة الغربيّة، بينما قدرة إسرائيل على إدارة الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ بشكلٍ مستقلٍ تقلّصت بعد قرار مجلس الأمن بصورةٍ كبيرةٍ”، طبقًا لأقواله.
رأي اليوم