في الوقت الذي تتكشف فيه تباعا خيوط المساعي الإسرائيلية لتشجيع الهجرة الجماعية من قطاع غزة، تعود إلى الواجهة قضية الطائرة التي أقلت عشرات الفلسطينيين نحو وجهات خارجية بينها جنوب أفريقيا، في حادثة أثارت ضجة واسعة وكشفت جانبا من التحركات الخفية لدولة الاحتلال.
هذه الواقعة لم تكن الأولى؛ فقد سبقتها عشرات الرحلات المنسقة سرا لإجلاء فلسطينيين من القطاع، لكنها ظلت طي الكتمان بفعل الإجراءات المشددة التي تدار خلف الأبواب المغلقة، غير أن الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين جنوب أفريقيا ودولة الاحتلال، بعد وصول المسافرين إلى مطار جوهانسبورغ بجوازات سفر غير مختومة لا تشير إلى مكان الانطلاق، كشفت جزءا من هذه العمليات التي كان الهدف منها منع إعادتهم إلى غزة.
تسعى “قدس برس” في التقرير التالي إلى تتبع شبكة الترتيبات والجهات المنظمة التي فتحت الباب أمام خروج مئات الفلسطينيين خلال العامين الماضيين، تحت عناوين “الحاجة الإنسانية”، و”علاج الجرحى”، و”لم الشمل”، فيما تشير المعطيات إلى أن الهدف غير المعلن يتمثل في تفريغ القطاع من أكبر قدر ممكن من سكانه.
من يقف خلف حملات الإجلاء؟
تتحرك دولة الاحتلال عبر عشرات المبادرات والمنظمات التي تقدم كوجهات “آمنة” للراغبين في السفر، إلا أن اسم منظمة “المجد أوروبا “يبرز كأكثرها نشاطا، وسط شهادات عن دورها المحوري في التنسيق غير الرسمي بين المواطنين الفلسطينيين والدول التي تستقبلهم.
تتبع “قدس برس” الأنشطة الرقمية للمنظمة، التي تعتمد على محتوى ترويجي مضلل عبر منصات “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك”، من قبيل العيش والدراسة في أوروبا بأقل التكاليف”، قبل أن توجه المستخدم إلى نافذة تسجيل تطلب بيانات شخصية حساسة، تشمل الاسم الرباعي، وبيانات أفراد العائلة، وصور جوازات السفر، وأرقام الهواتف.
وتظهِر الشهادات أن برامج المنظمة مخصصة للعائلات دون الأفراد، مع اشتراط وجود طفل دون سن السادسة عشرة لضمان “استقرار العائلة” في الخارج ومنع عودتها.
كيف يجري تنسيق السفر؟
تمكن “قدس برس” من الوصول إلى عدد من الفلسطينيين الذين غادروا القطاع إلى إندونيسيا عبر مطار رامون من خلال “المجد أوروبا”، من بينهم المواطن إبراهيم الذي روى لمراسلنا تفاصيل عملية التنسيق التي استغرقت ثلاثة أشهر.
يقول إبراهيم لـ”قدس برس” إن “أحد مندوبي المنظمة تواصل معه وطلب 1600 دولار عن كل فرد من أفراد عائلته، على أن يتم تحويل المبلغ عبر حساب (IBAN) يتبع لأحد البنوك الأمريكية، وبعد تأكيد عملية التحويل، تلقى إخطارا بالاستعداد للسفر خلال 48 ساعة، مع تحديد نقطة تجمّع قرب المستشفى الميداني التابع للهلال الأحمر في مواصي خان يونس”.
ويتابع تحركت الحافلات باتجاه معبر كرم أبو سالم، ترافقها طائرات مسيرة من نوع “كواد كابتر”، قبل أن ننقل إلى مطار رامون، ومن هناك صعدنا إلى الطائرة، وكنا نحو 80 مسافرا، رغم أن أكثر من نصف المقاعد كانت فارغة، وبعد الوصول إلى مطار جاكرتا، استلمنا جوازات سفرنا من الوفد المشرف، دون أي ختم يشير إلى أننا مررنا عبر رامون.
ويعكس هذا التحايل الذي تمارسه المنظمة تجاه المسافرين، من خلال إخفاء وجهة الرحلة وعدم الكشف عنها إلا بعد صعودهم إلى الطائرة، سعيها المتعمد إلى التستر على ترتيبات مشبوهة لا تريد أن تنكشف أمام سلطات الدول المستضيفة أو أمام أبناء الجاليات الفلسطينية هناك. كما يهدف هذا السلوك إلى تجنب أي مساءلة قانونية أو توجيه اتهامات محتملة تتعلق بـ مخالفات أو عمليات تهريب منظم قد تستدعي ملاحقة قضائية.
ولا يقتصر الأمر على إخفاء الوجهة فحسب، بل تمتد سياسة “المجد أوروبا” إلى اختيار محطات سفر بعيدة جغرافيا ومكلفة ماليا، مثل إندونيسيا وماليزيا في أقصى جنوب شرق آسيا، أو جنوب أفريقيا، أو حتى البرازيل. ويشير هذا الإجراء إلى أن اختيار هذه الوجهات ليس عشوائيًا، بل يهدف إلى تعقيد أي محاولة لعودة المسافر إلى غزة، وجعل تكلفة العودة باهظة وغير واقعية، في إطار ما يشبه هندسة ديموغرافية ناعمة تستهدف إبعاد الفلسطينيين عن أرضهم بصورة دائمة.
قدس برس