شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل، أمس الأحد، تظاهرة حاشدة شارك فيها أكثر من 15 ألف متضامن مع الشعب الفلسطيني، في واحدة من أكبر المسيرات التي عرفتها المدينة خلال الأسابيع الأخيرة.
وجاب المتظاهرون شوارع وسط المدينة رافعين الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف ما وصفوه بـ “الخروقات الإسرائيلية”، داعين الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا وحزمًا تجاه الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.
وجاءت الدعوة إلى التظاهرة استجابة لنداءات أطلقتها منظمات حقوقية ولاتينية وأوروبية، إلى جانب اتحادات طلابية ومجموعات من المجتمع المدني. وأكد منظمو المسيرة أن هدفهم هو الضغط على الحكومات الأوروبية، وفي مقدمتها الحكومة البلجيكية، لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد ما وصفوه بـ “الاحتلال ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي”.
ورغم الترحيب الذي لقيه وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، شدّد المنظمون على أن ذلك “لا يشكّل نهاية لمعاناة الفلسطينيين”، بل يُستخدم كغطاء لتبرير جرائم الاحتلال المستمرة منذ عامين.
وقال النائب في البرلمان الأوروبي، مارك بتونجا، لـ “قدس برس”: “بروكسل تغصّ بالآلاف من المتضامنين الذين خرجوا للمطالبة بفرض عقوبات على إسرائيل. صحيح أن هناك اتفاق وقف إطلاق نار جزئي وهش، لكن الأطفال والمدنيين لا يزالون يتعرضون للقتل اليومي على يد جيش الاحتلال”.
وأضاف: “الأخطر من ذلك هو ما يُسمى بعمليات الإعمار التي يُخطط لتنفيذها دون إشراك الفلسطينيين، إذ تمنع إسرائيل أصحاب الأرض من تجاوز ما يُعرف بالخط الأصفر تحت طائلة إطلاق النار”.
وتابع بتونجا: “المتضامنون لا يرون في وقف إطلاق النار نهاية للمعاناة، بل يرفضون اعتداءات المستوطنين والجماعات المتطرفة على مدن وقرى الضفة المحتلة”.
ودعا الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ خطوات واضحة، “تتمثل في الضغط الاقتصادي والسياسي على هذه الحكومة المتطرفة، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات أمام المحاكم الدولية… لهذا خرجت بروكسل مجددًا إلى الشوارع للمطالبة بفرض عقوبات على إسرائيل”.
وأكد أن “هذه التظاهرة تبيّن أهمية الاستمرار في الضغط، ومواصلة التأثير على الحكومات الأوروبية التي لا تزال تدعم إسرائيل ولم تتخذ أي عقوبات بحقها حتى الآن”.
وختم بتونجا بالقول: “هذا التضامن بات راسخًا في وعي شعوب أوروبا، وسيستمر كذلك”.
من جانبه، اعتبر النائب في البرلمان البلجيكي، نبيل بوكيلي، أن وقف إطلاق النار في غزة غير فعّال، موضحًا أن “الإبادة مستمرة لأن إسرائيل انتهكت الاتفاق مرارًا، وما زال الاحتلال يقتل المدنيين ويتدخل عسكريًا في القطاع، فيما يتواصل الحصار والمجاعة ونقص الأدوية والمواد الغذائية، خاصةً مع حلول فصل الشتاء”.
وفي تصريح لـ “قدس برس”، قال بوكيلي إن التظاهرة جاءت “لتذكير العالم بأن الإبادة الجماعية لم تنتهِ بعد، وسنواصل الضغط على الحكومات الأوروبية لفرض مقاطعة عسكرية واقتصادية على الدولة التي ترتكب الإبادة”.
وشدد على أن “الإبادة لن تتوقف بالتصريحات، بل تتطلب خطوات عملية، وطالما لا توجد مقاطعة حقيقية، سيستمر الحشد الشعبي في الشوارع لمعارضتها”.
مطالب موجهة للحكومة البلجيكية
رفع المشاركون في التظاهرة قائمة مطالب أبرزها: فرض حظر عسكري كامل على “إسرائيل”، ومنع تصدير أو عبور الأسلحة والمعدات العسكرية. تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل إلى حين امتثال الأخيرة للقانون الدولي. إضافة إلى تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين المتهمين بارتكاب جرائم حرب.
كما شملت مطالب المتظاهرين، فرض عقوبات مستهدفة تشمل تجميد الأصول وحظر السفر على أفراد وكيانات متورطة في الانتهاكات. ودعم إعادة إعمار غزة بما يضمن حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
وفي السياق ذاته، قال كريم بنيس، عضو اللجنة التنظيمية للمسيرة: “لا يمكن للأوروبيين الاكتفاء بالإدانات، المطلوب خطوات سياسية واقتصادية تُجبر إسرائيل على وقف الاستعمار، تفكيك المستوطنات، ورفع الحصار عن غزة”.
مشاركة واسعة وصدى شعبي متزايد
شهدت التظاهرة مشاركة لافتة من عائلات وجاليات متنوعة، وطلبة جامعات ونقابيين، إلى جانب برلمانيين بلجيكيين وأوروبيين، حضر بعضهم للتعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في وجه آلة القتل والدمار الإسرائيلية.
وقال أحمد أبو يوسف، وهو فلسطيني مقيم في بلجيكا: “حضوري اليوم واجب أخلاقي. أهلي في غزة يعيشون تحت القصف منذ عامين، ووقف إطلاق النار لا يعني أن الكابوس انتهى. نحن هنا لنقول إن الاحتلال يجب أن ينتهي، ويجب محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”.
التأثير السياسي المنتظر
يرى مراقبون أن الحشود الكبيرة التي شهدتها بروكسل تعكس تصاعد الضغط الشعبي على الحكومات الأوروبية، في ظل تزايد الانتقادات للسياسات الغربية تجاه الوضع في فلسطين المحتلة.
وتأتي هذه المسيرة ضمن سلسلة تحركات مماثلة شهدتها مدن أوروبية مثل باريس وبرلين ومدريد، ومنذ اندلاع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تشهد العواصم الأوروبية موجة حراك شعبي واسع دعماً للشعب الفلسطيني، بمشاركة متضامنين أوروبيين إلى جانب جاليات عربية ومسلمة، في موقف يعكس تنامي الوعي الدولي تجاه القضية الفلسطينية.
قدس برس
15 ألف في شوارع بروكسل: دعوات أوروبية لوقف دعم إسرائيل وفرض عقوبات – وكالة قدس برس للأنباء