نجحت مصر بهُدوء فيما يبدو، في قلب الاتهامات المُوجّهة لها بالتخاذل عن دعم غزة، وعدم فتح معبر رفح للمُساعدة الإنسانية، حيث نجحت “أم الدنيا” بشكلٍ أو بآخر في وضع نهاية لحرب غزة، بصفتها المُستضيفة لمُفاوضات وقف النار في شرم الشيخ، وبحُضور مصري وإسرائيلي وأميركي وقطري وتركي.
الاحتضان الإعلامي المصري للمُقاومة، والذي لفت الأعين، وأحدث تفاعلًا، تمثّل في ظُهور القيادي الفلسطيني خليل الحية أثناء التفاوض، وعبر قناة “القاهرة الإخبارية”، والتي أجرت معه لقاءً تلفزيونيًّا في وضح النهار عصرًا، بل واستمر ذلك اللقاء 5 دقائق بالهواء الطّلق.
نظر البعض لهذا المشهد، كونه مشهد تحدّي مصري لإسرائيل، التي كان توعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه سيغتال قادة حماس “أينما كانوا”، فعلها في قطر، ولم يفعلها في مصر.
وشنّت إسرائيل غارة على مبانٍ سكنية تضم قادة في “حماس”، خلال اجتماع في العاصمة القطرية الدوحة، في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، ما أدّى إلى استشهاد 5 من عناصر الحركة، وعنصر أمن قطري.
وحظي القيادي الحية في ذلك المشهد، ضمن رسالة لافتة ثانية، بحماية حارس، وهو من القوات الخاصّة المصرية.
ونشرت قناة “القاهرة الإخبارية”، “فيديو غراف” من اللقاء عبر منصّة “إكس” مع تعليق لافت: “بعد مُحاولة اغتياله في الدوحة… أول ظهور لخليل الحية في شرم الشيخ”، وظهر خلاله الحية وهو يخرج من مبنى زجاجي لا يصحبه سوى حارس واحد.
وحرصت مصر على الترويج لدورها في وقف إطلاق النار في غزة، والتذكير بدورها الوطني تجاه القضية الفلسطينية الذي كان حاضِرًا بفعالية زمن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، فأظهر مقطع فيديو رفع العلم المصري بجانب العلم الفلسطيني في سماء مدينة شرم الشيخ المصرية، وذلك في أعقاب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل.
ويبدو أن الدور المصري كان له وقعه على الغزيين، فترجموه، حيث شهدت شوارع غزة اليوم رفع الفلسطينيين صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأعلام مصر تعبيرًا عن تقديرهم للموقف المصري في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وقال النائب المصري مجدي البري، عضو مجلس الشيوخ، والأمين المساعد لأمانة التنظيم المركزية بحزب مستقبل وطن، إن مشهد رفع علم مصر من قِبل النازحين في غزة، لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل هو تعبير عميق عن الامتنان الشعبي والدعم النفسي والمعنوي لمصر، التي لم تتخلّ يومًا عن دورها القومي والإنساني في نصرة الشعب الفلسطيني.
وفي حين كانت تستعرض مصر دورها في وقف الحرب على غزة، لا تزال المقاومة الفلسطينية صامدة في غزة، ولم تنهزم، وجميع الفصائل كانت حاضرة للتفاوض، وفرض مطالبها، والتي أهمّها منع تهجير أهل قطاع غزة.
وأكّد عزت الرشق عضو المكتب السياسي لحركة (حماس) أن العبور الملحمي للشعب الفلسطيني بمختلف أجياله من جنوب قطاع غزة إلى شماله، ليس مشهدًا عاديًّا، لقدرتهم على الانتظار ساعات ريثما تنتهي ترتيبات عبورهم بشكل أكثر أمنًا.
وأضاف الرشق: هذا السُّلوك الجمعي بحد ذاته فعلٌ مقاوم دلالته واضحة كالشمس: لا نكبة بعد نكبة 1948، أمامنا كفلسطينيين طريق ومستقبل باتجاه واحد، وهو العودة، اليوم إلى مدننا التي هجّرَنا منها جيش الإبادة الصهيوني في قطاع غزة، وغدا إلى مدننا وقرانا التي هجّرتنا منها العصابات الصهيونية أول مرّة.. هذا هو الطريق”.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنّ المفاوضات التي جرت خلال الأيام الماضية، أدت إلى اتفاق لإنهاء الحرب في غزة، مؤكدًا أنه سيُغادر قريبًا إلى الشرق الأوسط.
واعتبرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن نجاح مصر في التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يُعدّ تأكيدًا على أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أعاد لمصر مكانتها الإقليمية.
ويبدو أن القيادة المصرية قد نجحت في إعادة علاقاتها المُتدهورة مع واشنطن من بوّابة غزة، حيث أعرب الرئيس السيسي عن تطلّعه لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مصر ليشهد توقيع اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة.
وقال ترامب إنه “سيُحاول القيام برحلة” للاحتفال بهذه اللحظة، بما في ذلك التوقف في مصر لحضور “التوقيع الرسمي” على الاتفاق.
وكانت أُلغيت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المرتقبة للولايات المتحدة الأمريكية، وقالت مصادر مصرية لوكالة رويترز للأنباء إن السيسي لن يحضر أي محادثات في البيت الأبيض إذا كان جدول الأعمال يشمل تهجير سكان غزة.
وكرّرت مصر موقفها الرافض لتهجيرِ الفلسطينيين ولوّحت بإلغاء اتفاقيات السلام مع إسرائيل.
وبعد 735 يومًا من حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ صباح اليوم الجمعة مع إعلان الجيش الإسرائيلي انسحاب قواته نحو الخط الأصفر وفق ما نص عليه الاتفاق الذي وافقت عليه الحكومة الإسرائيلية الليلة الماضية.
وكشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده ستتسلّم المسؤولية في مراقبة تنفيذ اتفاق غزة، مشددَا على أهمية تطبيق كل بنوده.
وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الجمعة، أن قواتها المسلحة “مستعدة لتولي أي مهمة تُكلّف بها” في إطار عملية لحفظ السلام في قطاع غزة المحاصر والمدمر.
وأكّد رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطرية، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الجمعة، أن نجاح المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ “مسؤولية جماعية”.
المشهد الحالي حاليًّا، لا يُمكن أن يُنكر أن غزة تعرّضت لويلات الحرب، والإبادة، والتجويع، وكأن الحرب مشهد من مشاهد يوم القيامة، ولكن الثابت في هذا أن أهل غزة لم يخرجوا منها، وفشل التهجير، كل هذا بسواعد رجال المُقاومة المُقاومين المُقاتلين، ليبقى السُّؤال العالق كيف سينجح نتنياهو بنزع سلاح حركة حماس، فهو يزعم قائلًا: ” “نحن نُحاصر حماس من جميع الجهات، استعدادًا للمراحل التالية من الخطّة، والتي سيتم فيها نزع سلاح حماس ونزع سلاح غزة”.
يُضيف نتيناهو: “”إن تحقق ذلك بالطريقة السهلة، فليكن، وإن لم يتحقّق، فسيكون ذلك بالطريقة الصعبة”، ليسأل سائل ألم يجرب الطريقة الصعبة (عسكريًّا) ولم ينجح في نزع إرادة الفلسطينيين بالتخلّي ومُغادرة غزة (طوعًا وقسرًا)، فكيف بسلاح مُقاومتهم؟!
أخيرًا، الإسرائيليون ذاتهم لا يُؤيّدون نتنياهو، حيث استطلاع رأي أظهر أن اتفاق وقف إطلاق النار، يحظى بتأييد واسع من قِبل الإسرائيليين، إذ أكّد 82% من المشاركين في الاستطلاع تأييدهم له، فيما عارضه 7% فقط، بينما أجاب 11% بـ”لا أعلم”.
وحينما سُئل المُشاركون بالاستطلاع عمَّن انتصر في الحرب، قال 46% إن إسرائيل هي التي انتصرت، في حين وصلت نسبة الذين يرون أن حماس قد انتصرت بالإضافة إلى الذين لم يستطيعوا تحديد المُنتصِر مُجتمعتين، إلى 54%!
المصدر/ رأٍ ي اليوم