You are currently viewing هل بقي لـ”حل الدولتين” أي أفق في ظل واقع الإحتلال الصهيوني؟

هل بقي لـ”حل الدولتين” أي أفق في ظل واقع الإحتلال الصهيوني؟

في الوقت الذي يعقد فيه المجتمع الدولي مؤتمراته لدعم “حل الدولتين” كمسار سلمي لتسوية القضية الفلسطينية، تتجه إسرائيل بشكل متسارع نحو ترسيخ مشروعها الاستيطاني على الأرض، مستندة إلى حكومات يمينية متطرفة ترفض صراحة قيام دولة فلسطينية، وتعتبر الحديث عن التسوية “مكافأة للإرهاب”.

ويرى محللون وخبراء في حديثهم لـ”قدس برس” أن المشهد السياسي الإسرائيلي لم يعد يحتمل أي لبس في المواقف؛ فالحكومة الحالية، التي تضم أكثر التيارات تطرفًا في تاريخ الكيان، تعمل على تقويض أي أفق سياسي للحل، من خلال توسيع الاستيطان، وسنّ قوانين عنصرية، ورفض المبادرات الدولية بشكل علني.

ويؤكد هؤلاء الخبراء أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي تجاوز مرحلة المراوغة السياسية، وانتقل إلى رفض جذري لفكرة الدولة الفلسطينية، سواء عبر تصريحات الوزراء التي تدعو صراحة لضم الضفة الغربية واحتلال قطاع غزة، أو من خلال السياسات اليومية التي تفرض واقعًا ميدانيًا يجعل حلّ الدولتين مستحيلًا على الأرض.

“حل الدولتين” مجرد وهم

قال الكاتب والمحلل السياسي محمد القيق إن “الحديث عن (حلّ الدولتين) بات أشبه بوهم سياسي لا يُعوّل عليه”، مؤكدًا أنه “لم يعد سوى (حبر على ورق) تُروّج له بعض الدول الأوروبية لأغراض داخلية، كتحسين علاقاتها مع الإدارة الأمريكية أو امتصاص غضب شعوبها تجاه جرائم الاحتلال”.

وأشار القيق في حديث لـ”قدس برس” إلى أن “التطبيق الفعلي لهذا الحل لم يعد مطروحًا على الطاولة، لأن المضيّ فيه سيضع هذه الحكومات أمام تساؤلات صعبة تتعلق بمصير المستوطنين في الضفة الغربية، من حاملي الجنسيات الفرنسية أو البريطانية أو الكندية”، متسائلًا: “هل ستسحب هذه الدول جنسياتهم؟ هل ستطالب بطردهم؟”

وأضاف أن هذه الحكومات “لا ترغب في الدخول في مواجهة مع اللوبيات الصهيونية داخل بلدانها، كما تخشى التداعيات الجيوسياسية على علاقتها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، لذلك فإن مواقفها الحالية ليست سوى استعراضات إعلامية مؤقتة، في انتظار تغيّر محتمل في الأوضاع داخل غزة مع نهاية الصيف، يسمح لها بالتراجع عن تلك التصريحات دون تكلفة سياسية”.

السلام وسيلة للهيمنة.. لا للتسوية

وأكد القيق أن “إسرائيل لطالما استخدمت خطاب السلام كأداة للتمدد الاستيطاني والسيطرة التدريجية، كما فعلت في أوسلو حين استخدمت الاتفاق لتقويض المشروع الوطني الفلسطيني، ولتمرير بناء جدار الفصل العنصري”.

كما أشار إلى أن “الاحتلال استثمر المبادرة العربية للسلام كمفتاح للتطبيع مع دول عربية، عبر الترويج المضلّل لفكرة (تجميد الاستيطان)”، موضحًا أن “(تجميد) الاستيطان لم يكن أكثر من خدعة لفظية، عبر استخدام مصطلح “النمو الطبيعي” للمستوطنات، الذي سمح بتوسيعها فعليًا وبصورة منهجية”.

وتابع القيق: “التمدد الاستيطاني اليوم تجاوز التمدد العمراني الفلسطيني، وقطع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية، في مقابل تعزيز التواصل بين المستوطنات، بما في ذلك البؤر الاستيطانية غير المعترف بها داخل الكيان الإسرائيلي نفسه”. ما يعني أن حلّ الدولتين أصبح عمليًا مستحيلًا.

واعتبر القيق أن “المفاوضات كانت ولا تزال وسيلة إسرائيلية فعّالة للسيطرة الهادئة”، مشيرًا إلى أن “كل الاتفاقيات السابقة — من أوسلو إلى مدريد، مرورًا باتفاقية باريس الاقتصادية، ومؤتمرات العقبة وأنابوليس وواي ريفر — لم تكن سوى أدوات لضبط الساحة الفلسطينية دون تقديم أي تنازل حقيقي من جانب الاحتلال.”

وقال: “المفاوضات وفّرت لإسرائيل بيئة صامتة تُحكم فيها قبضتها على الأرض، بينما يغيب صوت الضحية، فلا أحد يعترض. وما يحرك الرأي العام الغربي اليوم هو فقط مشاهد الدماء والمواجهة في غزة، لا بيانات التفاوض العقيم.”

“قانون القومية”.. نسخة جديدة من النكبة

وفي تعليقه على قانون القومية الإسرائيلي، شبّه القيق هذا القانون بنكبة عام 1948، معتبرًا أنه “يمثل نكبة قانونية جديدة للفلسطينيين، إذ يشرعن يهودية الدولة، ويفرض على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الإقرار بهذه الهوية، نافيًا عنهم صفتهم الوطنية”.

وأضاف أن هذا القانون “جزء من منظومة الردع الشاملة التي يمارسها الاحتلال، والتي لا تقتصر على الردع العسكري، بل تشمل الردع القانوني والسياسي والاجتماعي”، لافتًا إلى أن “أي فلسطيني يعارض هذا القانون يُعاقب اقتصاديًا وسياسيًا وحتى أمنيًا”.

وأكد القيق أن “(قانون القومية) لا ينسجم فقط مع التوجه العنصري للحكومة الإسرائيلية، بل يتعارض أيضًا مع تصريحات نتنياهو التي يدّعي فيها (حماية الأقليات)، إذ ينسف هذا القانون حقوقهم وملكياتهم، ويدفع بفلسطينيي الداخل نحو مزيد من التهميش والتهديد الوجودي”.

واختتم القيق بالقول إن “القانون يُسهّل ضمّ الضفة الغربية عمليًا إلى الدولة اليهودية، مما يعني تقويضًا نهائيًا لحلّ الدولتين، حتى في أدنى صوره التفاوضية”.

رفض إسرائيلي متصاعد

من جانبه، أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية خالد سعيد أن المؤتمر الدولي الذي انعقد في نيويورك مؤخرا حول تسوية القضية الفلسطينية بالحلول السلمية وتنفيذ حل الدولتين “أسفر عن نتائج استراتيجية مهمة، أبرزها زيادة عدد الدول الغربية التي أعلنت نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية، حيث تجاوز عدد هذه الدول 15 دولة، مما أثار قلقًا وأرقًا واضحين لدى الكيان الصهيوني، وتداولت وسائل الإعلام العبرية هذا الأمر بحالة من الضيق”.

وأشار سعيد في حديث لـ”قدس برس” إلى أن “الإعلام العبري لم يكتفِ بنقل وقائع المؤتمر وتفاصيله، بل رصد بدقة تعليقات المسؤولين الإسرائيليين ورفضهم الصريح والعلني لما يُطرح، معتبرًا أن توصيات المؤتمر تهدد الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مباشر في المستقبل”.

وأشار إلى أنه على الرغم أن “أعمال المؤتمر لم تنته بعد، إلا أن تل أبيب وصفته بـ(مكافأة للإرهاب)، وبشكل خاص مكافأة لحركة حماس التي تُعتبر (إرهابية) في خطاب الاحتلال، ما يعكس بوضوح رفض إسرائيل التام والفجّ لأي خطوة نحو إقامة دولة فلسطينية”.

وأوضح سعيد أن “وزير التراث الإسرائيلي، عميحاي إلياهو، أثار صدمة واسعة بتصريحاته التي دعا فيها إلى احتلال كامل لقطاع غزة، وبناء مدينة يهودية كبرى على أراضيه، في موقف يعكس نهجًا استيطانيًا متطرفًا يتجاوز حدود أي تسوية سياسية ممكنة.”

وأضاف أن “هذه الدعوات جاءت متسقة مع تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الذي جدد رفضه المطلق لإقامة دولة فلسطينية، مؤكدًا سعيه لتأسيس دولة يهودية كاملة على كامل الأراضي المحتلة، لا تقتصر على مستوطنات محصورة داخل ما يُعرف بـ”غلاف غزة”.

وتابع سعيد أن “الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، ومن يقفون في صفوف الائتلاف الحاكم، يرفضون حتى سماع مصطلح (حل الدولتين)، بزعم أن ذلك يقوض (أحلامهم المسيانية) في إقامة دولة يهودية كاملة على حساب الشعب الفلسطيني، الذي يصفونه بـ(العماليق)”.

واختتم الخبير مؤكداً أن “(حل الدولتين) لن يتحقق في ظل الحكومة الحالية التي تتزايد فيها ممارسات العنصرية والإرهاب بحق الفلسطينيين، وأن استمرار المقاومة في غزة وكل الأراضي المحتلة هو حق مكفول بالدين والشرع والقانون”.

 

المصدر: قدس برس

هل بقي لـ”حل الدولتين” أي أفق في ظل الواقع الإسرائيلي؟ – وكالة قدس برس للأنباء

شارك المقالة