You are currently viewing مراقبون: مصالح ضيقة تُضعف الدعم العربي للقضية الفلسطينية

مراقبون: مصالح ضيقة تُضعف الدعم العربي للقضية الفلسطينية

اعتبر مراقبون أن الموقف العربي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية يشهد تآكلًا متسارعًا، لم يقتصر على خفوت الخطاب أو ضعف التأييد، بل تجاوزه إلى تحولات جوهرية في طبيعة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، قادت إلى تطبيعٍ سياسي وأمني غير مشروط، أفقد العرب أوراق الضغط، وجرّد القضية من عمقها القومي.

ويقول هؤلاء المراقبون إن هذا التحول “لا يمكن فصله عن تغير موازين القوى الإقليمية، وتراجع دور الدول المحورية، وصعود نخب عربية باتت تربط مصالحها بالغرب وإسرائيل، وتتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفًا ثانويًا، لا قضية هوية أو صراع وجود”.

مصالح ضيقة

قال الكاتب والمحلل السياسي حازم عياد إن “تراجع الدعم العربي للقضية الفلسطينية جاء نتيجة لتقديم بعض النخب الحاكمة في العالم العربي مصالحها الضيقة على حساب المصالح العليا للأمة، وعلى حساب الأمن القومي العربي”.

وأضاف أن “هذه النخب ربطت علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية، بل وبنخب داخل الكيان الإسرائيلي، متجاوزة بذلك الأطر الجيوسياسية التي تُفترض أن تحكم العلاقات بين الدول”.

وأوضح عياد في حديث لـ”قدس برس” أن “العلاقة بين بعض الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي تحولت إلى ما يشبه علاقة تجارية ضيقة تدار عبر (شركات ثنائية) بين نخب عليا، بدلًا من أن تقوم على أسس استراتيجية وجيوسياسية تضمن مصالح الشعوب والأمن الإقليمي. ونتيجة لذلك، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية وتآكلت مكانتها في وجدان بعض النخب العربية”.

وأشار إلى أن “هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء في سياق تاريخي شهد تراجع أدوار الدول المحورية في المنطقة مثل مصر والعراق وسوريا منذ اتفاق (كامب ديفيد) مرورًا بحرب الخليج، وصولًا إلى ما بعد الربيع العربي. وهو ما مهّد الطريق لهيمنة المنظومة الغربية – لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل – على المشهد الجيوسياسي العربي.”

وأضاف عياد أن “بعض النخب العربية، بحكم ارتباطاتها الاقتصادية والفكرية بالغرب، دفعت بقوة نحو خيار التطبيع، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقوق الفلسطينية والمصالح القومية العليا”.

هذه النخب، وفق تعبيره، “باتت ترى التطبيع خيارًا استراتيجيًا ومصدرًا لتحقيق مكاسب خاصة، دون أي مقابل يُذكر للفلسطينيين أو للعرب عمومًا.”

وبيّن أن “المشكلة البنيوية في الموقف العربي تكمن في أنه لا يقوم على مفاهيم واضحة للمصالح العليا، ولا على منطلقات جيوسياسية صحيحة، بل يتأسس على مصالح نخبوية ضيقة وتوجهات فكرية غربية اخترقت هذه النخب، بحيث لم تعد ترى في القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، ولا حتى قضية هوية أو بعدًا حضاريًا إسلاميًا”.

تنازل مجاني

من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني إياد القطراوي إن “شعار (لا تطبيع إلا بالسلام) لم يكن مجرد موقف أخلاقي، بل مثّل ورقة ضغط سياسية حقيقية بيد العرب، خاصة عقب مبادرة السلام العربية عام 2002 التي نصّت صراحة على أن التطبيع مع إسرائيل لن يتم إلا بعد إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967”.

وأضاف القطراوي في حديث لـ”قدس برس”، أن هذا الموقف “بدأ يتآكل تدريجيًا، لا بسبب تبدّل في المبادئ فحسب، بل نتيجة تحولات عميقة في موازين القوى، وأولويات الدول، والتحالفات الإقليمية والدولية، ما أدّى إلى انزلاق تدريجي من (الممانعة) إلى التطبيع المجاني، في ظل خمسة عوامل رئيسية: تراجع مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي الرسمي، تصاعد القلق المشترك من إيران، الضغوط الأمريكية المصحوبة بصفقات مغرية، تراجع مشروع المقاومة والممانعة، وضعف الموقف الفلسطيني نفسه”.

وأوضح أن “مصر والأردن لم تعودا تتبنيان خطابًا واضحًا أو حازمًا تجاه الاحتلال الإسرائيلي، كما كانتا تفعلان في العقود السابقة، وأصبحت خطابات الشجب والتنديد روتينية وبلا شروط سياسية حقيقية تربط العلاقات مع الاحتلال بأي التزامات”.

ورأى القطراوي أن “هناك قبولًا تدريجيًا بالأمر الواقع في ملف القدس والمقدسات، واعتمادًا مفرطًا على التنسيق مع واشنطن أكثر من التنسيق العربي”.

كما أشار إلى أن “الورقة التفاوضية الفلسطينية أصبحت أضعف بسبب الدعم المحدود من مصر والأردن، اللتين كان يفترض أن تكونا رافعتين للموقف الفلسطيني، لكنهما أحيانًا تمارسان ضغطًا على الفصائل الفلسطينية لقبول حلول جزئية أو فرض التهدئة دون تحقيق مكاسب سياسية”.

ذريعة الانقسام الفلسطيني

وفيما يتعلق بالانقسام الفلسطيني، أكد القطراوي أنه “ذريعة أكثر من كونه مبررًا لتراجع الدعم العربي. فرغم ما يمثله من ضعف للموقف الفلسطيني، إلا أن الأنظمة العربية التي تتذرع به لم تكن لتتصرف بشكل مختلف حتى في ظل وحدة وطنية فلسطينية، لأنها – ببساطة – لا تبحث عن عدالة القضية، بل تسعى خلف مصالحها الخاصة.”

وشدد عياد على أنه “لا يمكن تحميل الانقسام الفلسطيني مسؤولية التراجع العربي، بل على العكس، فإن مسار التطبيع هو الذي عمّق هذا الانقسام، وساهم في إضعاف الموقف الفلسطيني، ولم يقدّم أي إضافة نوعية للقضية، لا على مستوى تعزيز وحدة الصف الفلسطيني، ولا على مستوى دعم الحقوق الوطنية.

وختم بالقول إن إلقاء اللوم على الانقسام الفلسطيني ليس إلا ذريعة تتذرع بها بعض النخب العربية لتبرير تقاربها مع الغرب، وتخليها عن المرجعيات الثقافية والحضارية للأمة. فأصبحت المصالح العربية تُحدَّد وفق ميزان العلاقة مع الولايات المتحدة، لا وفق روابط الجغرافيا والتاريخ والثقافة بين شعوب المنطقة.

 

 

المصدر: قدس برس

مراقبون: مصالح ضيقة تُضعف الدعم العربي للقضية الفلسطينية – وكالة قدس برس للأنباء

شارك المقالة