You are currently viewing ما هُما التطوّران الأخيران في غزة ولبنان اللّذان قد يحرمان نتنياهو من النّوم ويُؤشّران إلى مرحلةٍ جديدة في المنطقة؟ وماذا تعني المُسيّرة العسكريّة لشباب “حزب الله” في قلب العاصمة بيروت؟ وما هو الجديد الذي لفت نظري في خطاب الشيخ قاسم الأخير؟

ما هُما التطوّران الأخيران في غزة ولبنان اللّذان قد يحرمان نتنياهو من النّوم ويُؤشّران إلى مرحلةٍ جديدة في المنطقة؟ وماذا تعني المُسيّرة العسكريّة لشباب “حزب الله” في قلب العاصمة بيروت؟ وما هو الجديد الذي لفت نظري في خطاب الشيخ قاسم الأخير؟

عبد الباري عطوان

تطوّران رئيسيّان وقَعا في اليومين الماضين، يُمكن أن يرسما خريطة جديدة وفاعلة للمنطقة العربية، ارتكازًا على الإنجاز الإيراني الكبير، بشقّيه السياسيّ والعسكريّ المتمثل في الرد بقوة صاروخية غير مسبوقة على العدوان الثنائي الإسرائيلي- الأمريكي، تحت عنوان تدمير ثلاث منشآت نووية رئيسية تُمثّل درّة التاج في البرنامج النووي الإيراني:
مقاومة حركة “حماس” لكل الضغوطات والتهديدات الأمريكية والعربية (الوسطاء) وعدم صدور ردها السريع على ما يسمى بالمبادرة “الترامبية” الملغومة لوقف إطلاق النار التي وافق عليها بنيامين نتنياهو، وأخذت قيادتها في القطاع كل الوقت المطول عمدًا لدراستها، رغم تصعيد حرب الإبادة ومجازرها، وعندما جاء الرد تطبيقًا دقيقًا لاستراتيجية “نعم ولكن” والإصرار على تعديلات رئيسية لا بد من أخذها بعين الاعتبار في الصياغة النهائية للاتفاق قبل قبوله.

الثاني: العرض العسكري المُسلّح الذي نظّمه عناصر تابعة لحزب الله في قلب العاصمة اللبنانية (منطقة الحمراء) أمس الجمعة وجاء تحدّيًا مُباشرًا لكل المطالب المحلية (الرئاسات الثلاث) والأمريكية بنزع سلاح الحزب، الثقيل منه قبل الخفيف، وردًّا مُباشرًا على الورقة الأمريكية التي قدّمها توماس باراك السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الأمريكي إلى سورية ولبنان، ويتضمّن ثلاثة مطالب، أوّلها: تسليم سلاح “حزب الله”، وثانيها: ترسيم الحدود مع سورية، وثالثها: إدخال الحكومة إصلاحات مالية واقتصادية.

***
لنترك رد “حماس” جانبًا، وبشكلٍ مؤقت، مع التسليم بأنّه يتّسم بالشّجاعة، والجُرأة، والقوّة، فمن يستطيع تحدّي الثّور الهائج واسمه دونالد ترامب، وهو رد أعاد البضاعة المسمومة إلى أصحابها في تل أبيب، وعلينا التركيز على الموقف الذي لا يقل شجاعة لحزب الله “الجديد” ومعانيه، وانعكاساته المستقبلية على الجبهة اللبنانية التي تقف على أبواب تحوّلٍ جديد، ومُفاجئ على الصُّعُد كافّة.
نبدأ بالخواجه توماس باراك المبعوث الأمريكي الذي حلّ محل ابن جلدته عاموس هوكشتاين، ومهندس وقف إطلاق النّار “المُؤامرة”، وتسويقه للقيادة اللبنانية، وتم اختياره بعنايةٍ فائقة وفق المعايير الإسرائيلية، وأبرزها أن يكون صُهيونيًّا مُتَعَصِّبًا، وأكثر حِرصًا على “إسرائيل” وأمنها وحروب إبادتها للعرب والمُسلمين، من بنيامين نتنياهو نفسه، لأنّه ينتمي إلى مدرسة بن غفير وسموتريتش اليمينيّة المُتطرّفة المُتعطّشة للحُروب وسفك الدّماء.
فهذا الرّجل، أي المبعوث باراك، جاء لتحقيق هدف رئيسي، وهو ضم كُل من سورية ولبنان إلى منظومة “سلام أبراهام” التطبيعية، وتحويلها إلى كلاب حراسة لدولة الاحتلال الإسرائيلي على غرار اتّفاقيتيّ كامب ديفيد (مصر) ووادي عربة (الأردن) بحيث يتم عزل دولة الاحتلال بسُورٍ تطبيعيٍّ كامل، وعزل فلسطين عن مُحيطها العربيّ والإسلاميّ، وتصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد، ولهذا يُصر على أن يكون التطبيع أوّلًا في سورية قبل رفع الحصار، ونزع سلاح المُقاومة في لبنان كُلِّيًّا، قبل أي انسحاب إسرائيلي، وعودة الأمن إلى لبنان.
الرئاسات اللبنانية الثلاث (رئاسة، والبرلمان، والوزارة) كانت في ذروة الغضب من جرّاء اطّلاعها على فيديوهات المُسيّرة العسكريّة لعناصر “حزب الله” في بيروت أمس، وذهب السيد نواف سلام رئيس الوزراء والمتحدّث باسمها للإدلاء بتصريحاتٍ غاضبة والشّرر في عينيه، يُدين فيها هذه الخطوة، ويعتبرها خُروجًا عن القانون، وأعطى تعليماته للجيش ووزارتيّ العدل والداخلية لاتّخاذ كُل الإجراءات اللّازمة لمنع الاستِعراض وإلقاء القبض على رُموزه وإحالتهم للتّحقيق.
العرض العسكري كان سِلميًّا، وحمل البنادق في لبنان من الأُمور العاديّة، فإين المُشكلة، ولماذا يكون هذا العرض “غير مقبول” و”مُدان” وبينما انتهاك إسرائيل 4000 مرّة لاتّفاق وقف إطلاق النّار والاستمرار في احتلال 5 تلال في الجنوب، وإقدام طائراتها ومُسيّراتها على عمليّات اغتيالٍ يومية في بيروت العاصمة وغيرها وآخرها خلدة، وقتل لبنانيين عُزّل، يُعتَبر أمْرًا عاديًّا مقبولًا، بَل ومُرَحَّبًا به.
هذا النّوع من المواقف هو الذي يُشجّع العُدوان الإسرائيلي وتصاعده جنبًا إلى جنب مع الابتزاز الأمريكي، وعلينا أن نتذكّر أو نُذكّر، الرّئاسات الثلاث أنّ من حرّر الأراضي اللبنانيّة وهزم إسرائيل عام 2006 هي المُقاومة وسِلاحها ورجالها وشُهدائها.
***
أعرف الشيخ نعيم قاسم شخصيًّا، والتقيته عدّة مرّات في مكتبه في بيروت، وكان حديثنا الذي امتدّ لساعات، وعلى انفراد، يعكس ثقافة الرّجل العالية، مثلما يعكس وعيًا سياسيًّا يتّسم ببُعد النّظر، وأعترف أنّني فُوجئت بخطاباته “المَرِنَة” و”المُعتدلة” و”الهادئة”، التي أدلى بها بعد تولّيه المسؤوليّة كأمين عام للحزب خلفًا لسيّد الشّهداء حسن نصر الله، ولكنّي كُنت في الوقتِ نفسه “أتفهّم” ظُروف الحزب السياسية، والتنظيمية، بعد “مجزرة البيجرات” وسُقوط سورية، والتّغلغُل الصّهيوني في لبنان واحتلال جنوبه، وانتخاب قيادة لبنانية رسمية وفق المُواصفات الأمريكية.
خطاب الشيخ قاسم الأخير الذي أدلى به أمس بمُناسبة إحياء مجلس عاشوراء “جبّ كُلّ ما قبله” وأسّس لمرحلةٍ جديدة، وربّما بداية العودة القويّة للمُقاومة اللبنانية بعد إعادة ترتيب البيت الدّاخلي، وفشل المُعسكر الصّهيوني- اللبناني في حماية البِلاد وتوفير الأمن لمُواطنيها، وتحسين الأوضاع المعيشية.
فعندما يقول الشيخ نعيم قاسم “من قَبِل الاستِسلام عليه أنْ يتحمّل مسؤولية قراره.. أمّا نحن فلن نقبل”، ويؤكّد “لن نُسلّم سلاحنا للعدو الإسرائيلي.. ورحيل هذا العدو أوّلًا”، فإنّ هذه التّصريحات القوية تُؤشّر لمرحلةٍ جديدة في لبنان وكُل المنطقة، وتُوجّه رسائل غير مُطمئنة للتّرويكا اللبنانيّة الجديدة وللعدو الإسرائيلي وكُل المُراهنين عليه في لبنان، فلا نستبعد أن تكون هذه المُسيّرة العسكرية المُفاجئة هي مُقدّمة للرّد على العُدوان الإسرائيلي اليومي، وعودة الصّواريخ، ومُؤشّرٌ على طفح كيْل المُقاومة، وتفاءلوا بالرّد الصّاروخي تجدوه.. واللُه أعلم.

 

المصدر: رأي اليوم

ما هُما التطوّران الأخيران في غزة ولبنان اللّذان قد يحرمان نتنياهو من النّوم ويُؤشّران إلى مرحلةٍ جديدة في المنطقة؟ وماذا تعني المُسيّرة العسكريّة لشباب “حزب الله” في قلب العاصمة بيروت؟ وما هو الجديد الذي لفت نظري في خطاب الشيخ قاسم الأخير؟ | رأي اليوم

شارك المقالة